الانتقال الى المشاركة




مرحباُ بكم في منتدى الملحدين العرب

الحاد باق الى الابد!

صورة

نيتشه وما بعد الحداثة


  • من فضلك قم بتسجيل دخولك لتتمكن من الرد
عدد ردود الموضوع : 11

#1 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 01:04 م

يتردد مصطلح ما بعد الحداثة كثيرا دون عمق كافى فى الطرح عند البعض ودون أى معرفة على الإطلاق من البعض الآخر ! الغريب فى الأمر أن البعض يتصور أن ما بعد الحداثة أصبحت مرادفة للإيمان ! الحقيقة أن العرب لم يعرفوا الحداثة بعد حتى يتكلموا عما بعدها ! فالحداثة مشروع ثقافى ونمط حياة شامل ورؤية عامة للعالم ، يمتد جذوره حتى عصر النهضة الأوربى .وهذا المشروع مرتبط له مراحل تطور على جميع المستويات عبر الجدل مابين البنية التحتية من وسائل إنتاج وعلاقات إجتماعية ، والنية الفوقية من مظاهر الوعى من أفكار فلسفية وسياسية وفنية ودينية . وطبعا معروف أن العرب لهم تطورهم الإقتصادى و الإجتماعى والسياسى الخاص الذى لم يمر بمراحل مفصلية محددة وواضحة مثلما حدث فى أروبا من مجتمع إقتطاعى تقليدى إلى المجتمع البرجوازى و الثورة الصناعية ، ثم العصر الكولونيالى أو الأمبريالى الإستعمارى وأخيرا عصر ثورة المعلومات والعولمة الذى تغير نمطه الإقتصادى من إنتاجى إلى استهلاكى . أما عندنا نحن فجميع المراحل تتجاور فى إختلاط غريب ! فترى عمارة ما بعد الحداثة فى مولات دبى وتجماعتها السكنية بينما نمط الحياة ( الثقافة ، رؤية العالم ) ينتمى للعصور الوسطى ، نفس الذهنية التقليدية بجميع قيمها البطريركة الذكورية سواء على المستوى الفردى أو الإجتماعى والسياسى ( لا يزال شكل الملكية المطلقة التى كانت تحكم ب***يض إلهى سائر فى جميع الدول العربية وإن أختلف المسمى من ملك إلى رئيس جمهورية فى أغلب الحالات ! ) فكيف والحال هكذا أن يتكلم مثقفونا عن ما بعد الحداثة ؟ !

أنا أفتتح هذا الشريط لبيان علاقة نيتشه فقط بما بعد الحداثة لعله يفيد البعض الذى لا يعرف نيتشه أو ما بد الحداثة .
وسوف أبدأ بمقالة لـ د عصام عبد الله وهو مدرس فلسفة مصرى بجامعة عين شمس

                                                                        المقال منقول من إيلاف

لحظة ميلاد ما بعد الحداثة 



عصام عبدالله



--------------------------------------------------------------------------------


بالفعل، لم ندرك بعد هذه اللحظة الفاصلة في التاريخ، (لحظة ميلاد ما بعد الحداثة) في الفلسفة. وإحدي النتائج الأولية لهذا الميلاد، كما يعرضها نيتشه في كتابه " العلم المرح "، هي فكرة (العود الأبدي). (1)..... ومفادها: ان الوجود ليس صيرورة مستمرة ولا نهائية، وإنما تأتي لحظة يسميها نيتشه ب" السنة الكبري " للصيرورة عندما تنتهي دورتها تبدأ دورة جديدة، وهكذا، أي أن زمان الوجود مقسم إلي دورات كل منها تكرار للدورة السابقة عليها، ولا خلاف مطلقا بين الواحدة والأخري، وكأن الوجود كله صورة واحدة تتكرر بلا انقطاع في الزمن اللانهائي: كل شئ يباد وكل شئ يحيا من جديد، وإلي الأبد تسير سنة الوجود. (2).
ويقول في كتابه " العلم المرح ": " إن هذه الحياة كما تعيشها وكما عشتها لابد أن تحياها مرة أخري بل عددا لا نهائيا من المرات، ولن يكون فيها شئ جديد، بل ان كل ألم وسرور، كل فكرة وزفرة، وكل واقعة كبيرة كانت أو صغيرة من حياتك ستعود بنفس النظام من التتابع، وكذلك سيعود هذا العنكبوت وضوء القمر هذه اللحظة الزمنية. إن الساعة الرملية للوجود ستعود وأنت معها يا ذرة من ترابها ". (3)
ويردد في موضع آخر: " أطلق أغنيتك يا زرادشت.. أنت تقول بالسنة العظمي المتكررة، وهي كالساعة الرملية كلما فرغ أعلاها ليعود أدناها إلي الإنتصاب مجددا، وهكذا تتشابه السنوات كلها بإجمالها وتفاصيلها، كما نعود نحن متشابهين لأنفسنا إجمالا وتفصيلا في هذه السنة العظمي " سأعود بعودة هذه الشمس وهذه الأرض ومعي هذا النسر وهذا الأفعوان، سأعود لحياتي من جديد، ولا لحياة أفضل، ولا لحياة متشابهة، بل إنني سأعود أبدا إلي هذه الحياة بعينها إجمالا وتفصيلا، فأقول أيضا بعودة جميع الأشياء تكرارا وأبدا، وأبشر أيضا بظهيرة الأرض والناس وبقدوم الإنسان الأعلي " (4).
ورغم ان " نيتشه " ليس هو أول من اكتشف فكرة (العود الأبدي)، إذ انها وجدت في الفلسفة الشرقية القديمة والفلسفة اليونانية علي السواء، فإن الجديد الذي أتي به " نيتشه " هو أنه: " أضفي علي الضرورة صفة الوجود " (5).
حين جعل منها الوجود الحقيقي الوحيد، وكأن هناك وحدة هوية تجمع بينهما: فأكتسب التغير المستمر صفة الوجود الأبدي، وأكتسب الوجود صفة التغير المستمر، من هنا جمع نيتشه بين نزعتين متعارضتين: " بين المتناهي المتعين، وبين العلو. ذلك لأن محتوي فكرة (العود الأبدي) لا يسري إلا علي الوقائع، وهي في نفس الوقت تمنحها تكرارا لا ينتهي، فتعلو بما هو فان علي مجال الفناء مع أنها ذاتها أحد عناصره.... من هنا كان قول نيتشه " إن عودة كل شئ هي أكبر تقريب ممكن لعالم الضرورة منه إلي عالم الوجود ". (6)
من ناحية أخري فإن فكرة (العود الأبدي) تحرر النفس من الزمن " فحين يعود كل ما مضي عددا لا متناهيا من المرات، يستوي عند النفس الماضي والمستقبل، ويصبح كل ماضي قمت به، مستقبلا سأقوم به فيما بعد، وهكذا تتحرر النفس من قيد الماضي بإحالته إلي المستقبل، وتسيطر علي الإرادة الخالقة علي الزمن في كل مظاهره، لا في مستقبله فحسب ". (7)
إن ما يميز نيتشه هو إدراكه للزمن، لا انطلاقا من الآن، وإنما من " اللحظة "، وما يميز " اللحظة " عن " الآن " كما بين " هيدجر هو أن " اللحظة ليست هي أصغر جزء من الحاضر، وإنما هي التي تفتح الحاضر أو تصدعه " (8).
واللحظي حسب نيتشه هو ما يقوم ضد الزمن الحاضر، هكذا سيكف الحاضر عن أن يكون جزءا من الصيرورة المستمرة، وسيتحرر من ثقل الماضي، أو بالأحري، إن الماضي هو الذي سيتحرر من الحضور، لنصبح أمام (حضور) لا زماني للحاضر، فليست اللحظة، كما يقول عبد السلام بنعبد العالي، نقطة من الحاضر، إنها (منسوجة علي أرضية من النسيان)، والنسيان في كتاب نيتشه " إنساني، إنساني جدا " عام 1878، أو في كتابه " أصل نشأة الأخلاق " عام 1887 هو " قدرة ايجابية بالمعني الدقيق للكلمة "، قدرة تغلق من آن لآخر أبواب الوعي ونوافذه فتحول دون تدفق الماضي، وسعيه لأن يحضر ويحيا ويتطابق، فبدلا من أن: الحاضر والماضي والمستقبل، يتلو أحدها الآخر، فإنها (تتعاصر) خارج بعضها البعض، في عالم لا يكون فيه الحاضر هو " الآن " الذي يمر، وإنما الذي يمتد بعيدا حتي يبلغ المستقبل الذي يستجيب للماضي.
ان فكرة (العود الأبدي) تعني أن نعيش بعمق تجربة ضرورة الخطأ، مع الارتفاع ولو للحظة فوق هذه العملية، أو ان نعيش " متاهات الميتافيزيقا " من وجهة نظر مختلفة، لا هي قبول خالص لأخطاء الميتافيزيقا، ولا هي نقد تجاوزي لهذه الأخطاء، وهذا هو جوهر ما بعد الحداثة في الفلسفة.

هوامش:
1- - جياني فاتيمو: نهاية الحداثة – الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة، ترجمة: فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة بالجمهورية العربية السورية، دمشق 1998، ص:187.
2- فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، منشورات المكتب العالمي للطباعة والنشر، بيروت، بدون تاريخ، الجزء الثالث، ص: 227 – 228.
3- نقلا عن، ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلي جان بول سارتر، ترجمة فؤاد كامل، مراجعة محمد عبد الهادي أبو ريده، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1982، ص: 61.
4- نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ص: 230 – 231.
5- فؤاد زكريا: نيتشه، ص: 141.
6- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
7- المرجع نفسه، ص: 39.
8- نقلا عن، عبد السلام بنعبد العالي: أسس الفكر الفلسفي المعاصر – مجاوزة الميتافيزيقا، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولي 1991.

      يتبع .....
  • 0

#2 ZIAD

 
ZIAD

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,675 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 02:08 م

أسجّل متابعتي ....

شكرا لك  عزيزي ...  8-)
  • 0
يستطيع أي أحمق جعل الأشياء تبدو أكبر وأعقد, لكنك تحتاج إلى عبقري شجاع لجعلها تبدو عكس ذلك.

#3 إيفا

 
إيفا

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 370 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 02:25 م

هل يكفي ان يقول نيتشه ذلك ليصبح حقيقيا..
الا تعتقد ان هذا رأي خاص لشخص  يستطيع وضع أفكاره في صوره فلسفيه
قد تكون بعيده عن الواقع العلمي الحقيقي!

ترى لو عاش نيتشه في هذا العصر ...هل سيظل على رأيه...
شخصيا لا أعتقد ذلك؟؟؟

فكل عصر له أكتشافاته الفلسفيه الخاصه ...
التي تتحكم به الاكتشافات العلميه والتجريبيه . زائد المعرفه التراكميه الانسانيه!

........ نيتشه وضع معلومات بسيطه في صوره معقده , لا تناسب عصرنا
فكلما كانت الفكره أبسط وأوضح كلما كانت حقيقيه أكثر!

تحياتي

  • 0
ربي اغفر لهم, أنهم لا يعلمون

#4 sheva

 
sheva

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 812 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 02:32 م

رائع ebnelrawende ......

8-) 8-) 8-) 8-) 8-) 8-)


  • 0
حرامي غسيل...ومكيانيكي قشاطات( سابقا)

                             وكاتب ليبرالي (حاليا)

#5 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 06:50 م

شكرا زياد  :-x
شكرا شيفا  :-x
الزميل نيرفانا  :-x
الفلسفة نوع من المعرفة الشاملة ، أو هى إبداع المفاهيم كما يعرّفها جيل ديلوز ( أحد رواد ما بعد الحداثة ومن المتأثرين بنيتشه ) لذلك الواقع العلمى بتعبيرك يندرج تحت مظلة الفلسفة لا العكس رغم أن الفلسفة تتأثر به لكنها أشمل منه ولذلك تجد فكرة واحدة عند فيلسوف كهيراقليطس لا تزال فاعلة حتى الآن ولم يفعل العلم التجريبى سوى أنها يزيدها تأكيدا وفى ظنى أنها ستستمر للأبد لأنها حقيقة كونية وهى فكرة بسيطة تقول : التغير هو الثابت الوحيد فى الصيرورة
ربما تتضح لك أفكار نيتشه مع المتابعة

تحياتى
  • 0

#6 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 25 مارس 2009 - 07:23 م

هذا جزء من مقال طويل للدكتور عبد الوهاب المسير بعنوان نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر ولكن لكبر المقال ( بحجم كتاب تقريبا ) أقتطعت منه هذا الجزء رغم إختلافى الكامل مع عبد الوهاب المسيرى فى أغلب مساهماته التى أطلعت عليها لأنه يبدو لى يسطح دائما من أى مادة يتناولها بالبحث ، كما أنه يقحم معتقداته فى مادة البحث بالإضافة لسيطرة نوع من الحس الغوغائى عليه ( هاجس اليهود المسيطر عليه ، ميله الدائم لتصدير حس تأمرى غربى علينا ! ) إلا أننى أثبت هذا الجزء من المقال لأنه مفيد فى تبسيط الرؤية العامة التى يتموضع نيتشه بداخلها وبيان مفصليته فى تاريخ الفكر الغربى .



عبد الوهاب المسيرى
نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر ( جزء من مقال كبير )



وهنا ظهر نيتشه : ابن داروين وشقيق بسمارك (على حد قول جون ديوى) الذى أنجز للفلسفة الغربية ما عجز عنه السابقون عليه، والذى طور رؤية معرفية علمانية إمبريالية لا ينقصها سوى الجيوش والدبابات. وتعود أهميته الحقة إلى أنه ساعد على استكمال الطفرة الفلسفية التى سيتحقق من خلالها النموذج العلمانى المادى ويتعين ويتبلور، فأسس فلسفته انطلاقا من كثير من المقولات الكامنة العدمية للرؤية المادية وأطلق عبارته الشهيرة "لقد مات الإله"، ثم بذل قصارى جهده فى أن يطهر العالم من أى ظلال يكون قد تركها الإله على الأرض بعد موته.
ويمكننا أن نتجاوز المضمون الدينى الإلحادى المباشر لهذه العبارة لنحدد مضمونها ومن ثم تضميناتها المعرفية التى لا تشمل الإله وحسب بل وتشمل الإنسان والكون. ويساعدنا هايدجر فى هذا حيث يقول إن الإله بالنسبة لنيتشه هو "العالم المتسامى"، العالم الذى يتجاوز عالمنا؛ عالم الحواس: الإله هو اسم عالما لأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية.
ويمكننا أن نقول أن العبارة تعنى فى واقع الأمر ما يلى:
1 -نهاية فكرة الإله المتجاوز والمفارق للمادة: المجاوز للطبيعة والتاريخ: الذى يمنح الكون تماسكا وهدفا نهائيا، أى نهاية فكرة المركز الكائن خارج لمادة. هى حلولية كمونية كاملة.
2 -إنكار وجود أى حقيقة ثابتة متجاوزة لعالم التجربة المادية المباشرة وعالم الصيرورة.
3 -كل هذا يعنى إنكار فكرة الكل ذاتها، باعتباره كياناً متماسكا يعلو على الأشياء، أى إنكار فكرة المركز الكامن فى المادة.
4 -العالم إذن أجزاء لا تشكل كلا ولا مركز لها.
5 -كل هذا يعنى إنكار فكرة العام والعالمى والإنسانى بشكل عام.
6 -كل هذا يعنى نهاية الميتافيزيقا، بل ونهاية فكرة الحقيقة فالقضاء على بقايا الميتافيزيقا المتمثلة فى الحديث عن الكل المتجاوز أدى إلى القضاء على الحقيقة.
وانطلاقا من هذا، أعلن نيتشه أن الإيمان السائد بأن العقل الإنسانى قادر على التوصل إلى علم يستطيع أن يزوده بمعرفة يقينية وأنساق أخلاقية (أى أن بوسع العلم والعقل أن يحلا محل الدين) هو وهم ليس إلا، وأن المركزية التى تخلعها الفلسفة الهيومانية على الإنسان مركزية زائفة، فهو كائن طبيعى ليس له أهمية خاصة. فعند كويرني****،والإنسان يتقدم حثيثا نحو التقليل من شأن الإنسان وقد أصبحت إرادته أن يقلل من شأن نفسه "واحسرتاه"! أين إيمانه بكرامته وفرادته، أين اعتقاده بأنه لا يمكن أن يحل محله شىء فى سلسلة المخلوقات؟ لقد ولى كل هذا بلا رجعة، فقد أصبح الإنسان حيوانا بالمعنى الحرفى الكامل. هذا الى كان فى إيمانه يكاد يقترب من مصاف الآلهة. منذ كويرني****، يبدو أن الإنسان يدور فى سطح مائل، ولذا فإن سقوطه يتسارع إلى ماذا؟ إلى العدمية؟ بل وفكرة الإنسان ككائن مستقل والذات الحرة المستقلة هى وهم آخر. فالذات ليست سوى قناع ووهم ورثناه من عصر النهضة يُرضى غرورنا الإنسانى، بل وأعلن نيتشه أن الطبيعة ذاتها لا قداسة لها، فهى مجموعة من القوى المتصارعة، والحديث عن أى مطلقية - من ثم - هوعبث، فكل الأمور مادية وكل الأمور المادية متساوية. وكل الأمور المتساوية نسبية. إن الفلسفة الحديثة الحقة (حسب تصور نيتشه


تلك الفلسفة التى تحققت فيها اللحظة العلمانية تماما). هى فلسفة تصدر عن فكرة موت الإله وإزالة ظلاله، أى اختفاء أىنقطة ثابتة أو صلبة أو أى مرجعية متجاوزة حيث يجب التحرك داخل إطار مادى طبيعى صارم يتسم بالسيولة الكاملة إذ أنه يساوى بين الأشياء كلها ويسويها. وقد يكون من الأمور التى لها دلالة أن أخذ عبارة وردت فى آخر أعمال نيتشه (1888) كان "ديونيزوس ضد المصلوب" وهى عبارة تعنى "إما أنا أو الإله" أو "إما الواحد أو الآخر". (وفى عبارة شهيرة أخرى تساءل تيتشه: "إذاكان الإله موجودا فماذا أنا إذن؟") بمعنى أنه رأى أنه لا يوجد أمام الإنسان سوى طريقين اثنين: إما أن يتحقق الحلم الإنسانىالهيومانى ونكون ما نريد ونستبعد الإله تماما، أو أن نسقط فى العدم دون عزاء أو سلوى، ونقبل مصيرنا فى صمت مأساوى، وقد أدرك نيتشه أن البديل الأول غير متاح، ومن ثم فلا مفر من الثانى، وقد أعلن نيتشه أن أكثر الضيوف بشاعة قد جاءنا، وأننا دخلنا مرحلة العدمية.
ويمكن القول أن البنية الأساسية لفكر نيتشه تأخذ شكل حركة من العالم الموضوعى الثابت المستقر الذى يخضع لمعايير أخلاقية ومعرفية خارجة عنه والذى يمكن للذات الإنسانية الثابتة المستقرة إدراكه إلىعالم متغير لا يخضع لأى معايير سوى تلك التي تنبع منه، عالم الكمون الكامل. وهو عالم ترد فيه كل المستويات المعرفية والأخلاقية إلى مستوى أدنى وأقل تحددا وصلابة هو الذات الإنسانية التى ترد بدورها إلى مبدأ واحد فيذوب الجزء فى الكل ويرد الكل إلى مبدأ واحد له أسماء عدة، وهو فى نهاية الأمر وفى التحليل الأخير مبدأ واحد كامن فى الطبيعة / المادة. وهو يأخذ شكل قوة تدفع المادة وتتخلل ثنايا العالم وتضبط وجوده، قوة لا تتجزأ ولا يتجاوزها شىء ولا يعلو عليها أحد، وهى النظام الضرورى والكلى للأشياء، نظام ليس فوق الطبيعة وحسب ولكنه فوق الإنسان أيضا، يحوى داخله مقومات حركته وكل ما يلزم لبقائه وفهمه. ورغم سريان هذه القوة فىالعالم إلا أنه لا يتسم بأى توازن. فهو يتكون من مجموعة من القوى المتناحرة والمتصارعة التى ليسها لها بنية واضحة، لأن المبدأ الواحد الكامن فى العالم مبدأ غير عاقل لا يزودها بأى تماسك أو وحدة أو اتجاه أو غاية، ومن ثم فهو عالم صراعى تحكمه الصدفة والفوضى لا ثبات فيه لقيم أو مطلقات، ولعل السمة الأساسية لعالم نيتشه هى أن الإله بالمعنى المعرفى قد انسحب تماما منه وان ظلاله لم يعد لها وجود. ولنقارن هذا العالم النيتشوى بعالم الفلسفات التقليدية والإيمانية بل وعالم العلمانية فى مرحلة هيمنة الفكر الإنسانى (الهيومانى) التى كانت لا تزال فيه ظلال الإله ممتدة فى العالم.
1 -العالم التقليدى:عالم مركزه هو الإله (أو المطلق الإنسانى، أى الجوهر الإنسانى) المتجاوز له، الإنسان فيه (بسبب علاقته بالإله أو بجوهره الإنسانى) جزء مستقل عن الطبيعة يختلف عن الحيوانات، فهو مادة وروح، الإنسان بسبب اختلافه عن الطبيعة يمكنه أن يعرفها ويتأمل فيها ويتجاوزها، كما يمكن أن تقوم منظومات أخلاقية متجاوزة لحركة المادة يحتكم غليها الإنسان.
إن ما يسم هذا العالم هو أن الإله أو الجوهر الإنسانى) هو مركزه المتجاوز له، ولذا فإن ثمة مسافة تفصل بين الإله والطبيعة، تنعكس فى العالم على هيئةمسافة بين الإنسان والطبعيعة وفى سلسلة من الثنائيات: مادة/ روح - فعل مباشر/ تأمل - خير/شر - سبب/نتيجة - جميل/ قبيح.
2 -عالم نيتشه : عالم انسحب مه الإله تماما (أو حل فى المادة تماما وذاب فيها فأصبح العالم بلا مركز) - الإنسان إذن جزء من المادة/ الطبيعة لايوجد أى فارق جوهرى بينه وبين كل الكائنات الطبيعية الأخرى مثل الحيوانات، فهو جسد وغرائز - الإنسان لأنه جزء من الطبيعة لا يمكنه أن يعرفها ولا يتجاوزها، فالجزء لا يمكنه أن يحيط بالكل أو أن يتجاوزه - لا يمكن ظهور منظومات أخلاقية متجاوزة لحركة المادة، فالإنسان هو جزء من هذه الحركة خاضع لها.
إن السمة الأساسية لعالم نيتشه هو تصاعد معدلات كمون المركز فى المادة إلى أن يختفى تماما، الأمر الذى يعنى اختفاء المسافة بين الخالق ومخلوقاته، وبين الإنسان والطبيعة، وينجم عن هذا استحالة المعرفة والأخلاق فيصبح الجسد روحا، ويصبح الفعل المباشر هو الفعل الوحيد الممكن. ويصبح الخير هو الشر أو تنتفى ثنائية الخير والشر. بل وتنتفى ثنائية الإنسان والطبيعة. بل وكل الثنائيات الأخرى مثل ثنائية الثابت والمتغير، ويظهر عالم فى حالة سيولة شاملة سيولة لا تسم مجالا دون آخر وإنما تسم كل المجالات الممكنة (الطبيعة والإنسانيةوحينما تختفى المسافات تماما يصبح العالم كلا عضويا واحديا مصمتا مغلقا لا مركز له، لا يشير إلا إلى ذاته، ولاتوجد فيه أى حدود تفصل بين الأشياء فتصبح المعرفة مستحيلة والأخلاق كابوسا بل وتختفى الهوية ذاتها فى العالم السائل الذى لا توجد فيه حدود أو ثوابت فتصبح الأنا هو ويصبح الهو أنا، والمقدس نسبيا والنسبى مقدسا والدال مدلولا والمدلول دالا،ويظهر عالم ما بعد الحداثة).

  • 0

#7 mumbuzia

 
mumbuzia

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 3,504 المشاركات
  • الموقع: egypt
 

تاريخ المشاركة : 26 مارس 2009 - 12:14 م

يكثر الخلط كثيرا بين مفهوم ما بعد الحداثة .. و العدمية ... و فلسفة نيتشة .. "اذا صح القول باعتبارها فلسفة"

الخلط جاء في الاساس من الفلاسفة الذين تبنوا اراء نيتشة و تاثروا بها تاثر كبير !!! و ربطوها برفضهم لمظاهر الحداثة ... فاظهروا نيتشة بصورة المبشر العارف لكل شيء ... و اصبحت فلسفة نيتشة تساوي العدمية .. و لا علاقة بين هذه و هذه سوي كلمات من تاثروا هم به !!!

و القول ان العرب لم يعرفوا الحداثة ليتحدثوا عما بعدها !! قول واهي و ان دل يدل علي تحيز و عنصرية لا مثيل لها !! فالحداثة اصبحت مفروضة علي الكل !! و لم تصبح اتجاه اصبحت قوة تفرض !!! فالبحث عن ما بعدها ليس وليد اليوم و لا امس و لا نيتشة و لا غيره ... و ما بعد الحداثة ليس هو تيار العدمية !!!

فالعدم لا يمت لما بعد الحداثة بصلة !! العدمية ليست هي تيار يفرض !!! ولا هي افكار تدرس !! و لا يمكن حصرها في اطار ما بعد الحداثة او نيتشة او غيرهم !!

العدمية ليست هي الرفض العدمية هي الاجتناب ... ليست هي التحليل و لا التلقين ... هي المشاهدة في صمت ...

العدمية لا تهدف لطرح عميق او تبسيط مفاهيمها .. او جلب اكبر عدد من التابعين او القراء !! فهي ليست فكرة لتدرس او يتم تبسيطها او شرحها ...

العدمية لا يصح من الاساس حصرها او تعريفها ... 
حتي لا يكون الطرح مطولا .... اردت التنبيه ان العدمية ليست هي الفكر النيتشاوي ... و ما بعد الحداثة ليست هي العدمية ... و كل مفهوم من الثلاثة لا يمت للاخر بصلة !!!
ولا يربطهم سوي بعض اقاويل ... من تاثروا بنيتشة و رفضوا الحداثة بالمعني السائد ....

و لي عودة ....


  • 0
احذروا ... فقط .. احذروا ..

#8 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 27 مارس 2009 - 01:14 ص

ليس هناك دارس مبتدئ حتى للفلسفة ينكر محورية نيتشه فى الفكر الفلسفى الغربى ، ولا يوجد أى كتاب أو حتى مقال جاد يحاول أن يتعرض لفكر ما بعد الحداثة ويتجاهل نيتشه لسبب فى غاية البساطة أنه هو أول من كشف النقاب عن تفكك مشروع الحداثة الغربى وميتافيزقا طروحاته العامة . لذلك كان نيتشه حلقة مفصلية ، علامة بين تاريخين .

هذا مقال آخر لعصام عبد الله نقلته هنا ربما يفيد البعض





نيتشه وما بعد الحداثة  عصام عبد الله


إني أعرف مصيري. سوف يرتبط اسمي يوما ما بذكري شئ مرعب، ذكري شئ مهول، سوف يرتبط بتلك الزلزلة التي لم تشهد لها الأرض مثيلا من قبل. بذلك الصدام الهائل لكل أشكال الوعي، بذلك الحكم المبرم ضد كل ما اعتقد به البشر حتي هذه اللحظة، وكل ما ه***ا له وقدسوه. أنا لست إنسانا أنا ديناميت" (نيتشه – هذا هو الإنسان)








يخصص هابرماس في كتابه " الخطاب الفلسفي للحداثة " فصلا مستقلا لنيتشه بعنوان " الولوج إلي ما بعد الحداثة: نيتشه بوصفه مفترق الطرق "، بالإضافة إلي صفحات عديدة متناثرة علي طول الكتاب وعرضه، فما الذي يربط بين فلسفة نيتشه (1844 – 1900) وما بعد الحداثة؟
إن ما يسمح لنا بطرح هذا السؤال وبعقد هذه الصلة بين نيتشه من جانب، وما بعد الحداثة من جانب آخر، هو أمر يتجاوز أغلب ما قيل حتي الآن، وخلاصته أن نيتشه مجرد رمز للثورة في عصور التحول الكبري، ومن ثم " فإن المرء لن يجد خيرا منه في ثوريته، ولن يجد كذلك مطرقة أفضل من مطرقته التي هدم بها أصنام عصره " كما يقول فؤاد زكريا في كتابه عن " نيتشه "..




لكن هذا الأمر الجديد هو - من وجهة نظرنا - شئ آخر أكثر عمقاً وأبعد اثراً، مما قصده هابرماس، صحيح أن نيتشه هو أحد ثلاثة مفكرين كبار دشنوا النقد الجذرى للحداثة فى الغرب، وهم: ماركس ونيتشه وفرويد، وإن كان نيتشه هو الأكثر جذرية، حيث طال - تقريباً - كل الأسس التى قام عليها كل التراث الفلسفي للإنسانية، كما أن هذا النقد كان له أبلغ الأثر فى معظم الفلسفات فى عصرنا الراهن.
بيد أن الصلة بين نيتشه وما بعد الحداثة تتجاوز ذلك كله، إلى ما هو أعمق وأبعد، وهى تكمن تحديدا فى المقطع "ما بعد.... Post  ". " فما بعد"  ليس فى واقع الأمر سوي الموقف الذي بحث عنه و " أعتنقه" نيتشه تجاه كل التراث الفلسفي الغربي. فقد رفض ان يتخطي هذا التراث أو يتجاوزه، لأن التجاوز كان خليقاً بأن يبقيه سجيناً لمنطق التطور الخاص بهذا الفكر، أو قل منطق الحداثة والميتافيزيقا ذاتها، وإنما إنكب نيتشه على هذا التراث يراجعه - على طول تاريخه - مراجعة جذرية.
فإذا كانت الحداثة -Modernity قد قامت على فكرة وجود تاريخ للفكر ينتشر عبر انبثاق تدريجي، وذلك على أساس امتلاك، وإعادة امتلاك "الأسس"، المفهومة عادة على أنها " أصول " مكتملة دائماً، إلى حد أن الثورات النظرية والعملية فى تاريخ الغرب تنصب نفسها، وتدافع عن مشروعيتها غالباً باستخدام مصطلحات مثل: " العودة " و " البعث " و " الميلاد الجديد " Renaissance.
وإذا كان مفهوم " التجاوز"  - Aufhebung، في اللغة الألمانية، الذي يحتل مكانة بالغة فى الحداثة الغربية ومجمل اتجاهات الفلسفة الحديثة، يصور مجرى الفكر على أنه تطور تدريجي، حيث الجديد يتمثل القيمة بتوسط الاستعادة أو الاستحواذ على "الأصل" و "الأساس"، فإن هذا بالتحديد هو ما ينتقده نيتشه جذرياً.
فهو من ناحية، يجد نفسه مضطراً لاتخاذ موقف نقدى تجاه الفكر الغربي، كفكر يبحث دائماً عن " تأسيس ما "، ومن ناحية أخرى - وهى الأهم - لا يستطيع أن ينقد هذا الفكر بإسم فكر آخر يطرح نفسه على أنه أقرب إلى الحقيقة، أو على أنه " تأسيس جديد"، كما أبان " جياني فاتيمو " في كتابه: نهاية الحداثة، الفلسفات العدمية والتفسيرية فى ثقافة ما بعد الحداثة.
وبهذه الصفة يمكن اعتبار " نيتشه" (الأب الروحي) لما بعد الحداثة، فالمقطع " ما بعد " - Post  فى عبارة "ما بعد الحداثة" Postmodern، يشير الى انسحاب يحاول أن يبتعد عن منطق التطور فى الحداثة، وأن يبتعد بشكل خاص عن فكرة " التجاوز " النقدي الذي ينحو نحو تأسيس جديد.






نقلا عن "إيلاف"



  • 0

#9 mumbuzia

 
mumbuzia

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 3,504 المشاركات
  • الموقع: egypt
 

تاريخ المشاركة : 28 مارس 2009 - 07:21 ص

ليس هناك دارس مبتدئ حتى للفلسفة ينكر محورية نيتشه فى الفكر الفلسفى الغربى ، ولا يوجد أى كتاب أو حتى مقال جاد يحاول أن يتعرض لفكر ما بعد الحداثة ويتجاهل نيتشه لسبب فى غاية البساطة أنه هو أول من كشف النقاب عن تفكك مشروع الحداثة الغربى وميتافيزقا طروحاته العامة . لذلك كان نيتشه حلقة مفصلية ، علامة بين تاريخين .

هذا مقال آخر لعصام عبد الله نقلته هنا ربما يفيد البعض





نيتشه وما بعد الحداثة  عصام عبد الله


إني أعرف مصيري. سوف يرتبط اسمي يوما ما بذكري شئ مرعب، ذكري شئ مهول، سوف يرتبط بتلك الزلزلة التي لم تشهد لها الأرض مثيلا من قبل. بذلك الصدام الهائل لكل أشكال الوعي، بذلك الحكم المبرم ضد كل ما اعتقد به البشر حتي هذه اللحظة، وكل ما ه***ا له وقدسوه. أنا لست إنسانا أنا ديناميت" (نيتشه – هذا هو الإنسان)








يخصص هابرماس في كتابه " الخطاب الفلسفي للحداثة " فصلا مستقلا لنيتشه بعنوان " الولوج إلي ما بعد الحداثة: نيتشه بوصفه مفترق الطرق "، بالإضافة إلي صفحات عديدة متناثرة علي طول الكتاب وعرضه، فما الذي يربط بين فلسفة نيتشه (1844 – 1900) وما بعد الحداثة؟
إن ما يسمح لنا بطرح هذا السؤال وبعقد هذه الصلة بين نيتشه من جانب، وما بعد الحداثة من جانب آخر، هو أمر يتجاوز أغلب ما قيل حتي الآن، وخلاصته أن نيتشه مجرد رمز للثورة في عصور التحول الكبري، ومن ثم " فإن المرء لن يجد خيرا منه في ثوريته، ولن يجد كذلك مطرقة أفضل من مطرقته التي هدم بها أصنام عصره " كما يقول فؤاد زكريا في كتابه عن " نيتشه "..




لكن هذا الأمر الجديد هو - من وجهة نظرنا - شئ آخر أكثر عمقاً وأبعد اثراً، مما قصده هابرماس، صحيح أن نيتشه هو أحد ثلاثة مفكرين كبار دشنوا النقد الجذرى للحداثة فى الغرب، وهم: ماركس ونيتشه وفرويد، وإن كان نيتشه هو الأكثر جذرية، حيث طال - تقريباً - كل الأسس التى قام عليها كل التراث الفلسفي للإنسانية، كما أن هذا النقد كان له أبلغ الأثر فى معظم الفلسفات فى عصرنا الراهن.
بيد أن الصلة بين نيتشه وما بعد الحداثة تتجاوز ذلك كله، إلى ما هو أعمق وأبعد، وهى تكمن تحديدا فى المقطع "ما بعد.... Post  ". " فما بعد"  ليس فى واقع الأمر سوي الموقف الذي بحث عنه و " أعتنقه" نيتشه تجاه كل التراث الفلسفي الغربي. فقد رفض ان يتخطي هذا التراث أو يتجاوزه، لأن التجاوز كان خليقاً بأن يبقيه سجيناً لمنطق التطور الخاص بهذا الفكر، أو قل منطق الحداثة والميتافيزيقا ذاتها، وإنما إنكب نيتشه على هذا التراث يراجعه - على طول تاريخه - مراجعة جذرية.
فإذا كانت الحداثة -Modernity قد قامت على فكرة وجود تاريخ للفكر ينتشر عبر انبثاق تدريجي، وذلك على أساس امتلاك، وإعادة امتلاك "الأسس"، المفهومة عادة على أنها " أصول " مكتملة دائماً، إلى حد أن الثورات النظرية والعملية فى تاريخ الغرب تنصب نفسها، وتدافع عن مشروعيتها غالباً باستخدام مصطلحات مثل: " العودة " و " البعث " و " الميلاد الجديد " Renaissance.
وإذا كان مفهوم " التجاوز"  - Aufhebung، في اللغة الألمانية، الذي يحتل مكانة بالغة فى الحداثة الغربية ومجمل اتجاهات الفلسفة الحديثة، يصور مجرى الفكر على أنه تطور تدريجي، حيث الجديد يتمثل القيمة بتوسط الاستعادة أو الاستحواذ على "الأصل" و "الأساس"، فإن هذا بالتحديد هو ما ينتقده نيتشه جذرياً.
فهو من ناحية، يجد نفسه مضطراً لاتخاذ موقف نقدى تجاه الفكر الغربي، كفكر يبحث دائماً عن " تأسيس ما "، ومن ناحية أخرى - وهى الأهم - لا يستطيع أن ينقد هذا الفكر بإسم فكر آخر يطرح نفسه على أنه أقرب إلى الحقيقة، أو على أنه " تأسيس جديد"، كما أبان " جياني فاتيمو " في كتابه: نهاية الحداثة، الفلسفات العدمية والتفسيرية فى ثقافة ما بعد الحداثة.
وبهذه الصفة يمكن اعتبار " نيتشه" (الأب الروحي) لما بعد الحداثة، فالمقطع " ما بعد " - Post  فى عبارة "ما بعد الحداثة" Postmodern، يشير الى انسحاب يحاول أن يبتعد عن منطق التطور فى الحداثة، وأن يبتعد بشكل خاص عن فكرة " التجاوز " النقدي الذي ينحو نحو تأسيس جديد.






نقلا عن "إيلاف"




اعتقد ان ما يقوله الكاتب هنا اقرب لمصطلح . "الرفض و الانقلاب و الثورة" ... عن ما بعد الحداثة !!!

الثورة و الرفض لا تكفي لتكوين فكر !! قد تهدم فكر كان و لكنها لا تاتي بفكر جديد !!!

و لا يكفي حقا التبشير في وجهة نظري المتواضعة علي طريقة الرسل و المبشرين بانسان متقدم او متاخر ... لتكون صاحب فكر .. ينسب لانضج ما عرف العقل البشري الي اليوم .. منذ اختراع الكتابة و التدوين و هو فكر ما بعد الحداثة ....


  • 0
احذروا ... فقط .. احذروا ..

#10 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 31 مارس 2009 - 07:37 م

وهذا مقال آخر فى نفس سياقنا للكاتب مبارك عامر


منذ أن انفلت العالم الغربي من عقال الدين وخاصــة بعـد ما سمي بعصر التنوير، أصبح يرتاد بعقله في كل شيء: المعقول وغير المعقول، فصار ينتج أفكاراً وفلسفات متناقضة متعارضة؛ فلا يكاد يرفع من قيمة فلسفة حتى يبادر بنقدها بعد قليل ويدعو إلى هدمها، إضافة إلى تعدد الرؤى الفلسفية وتناقضها بالنسبة للشيء الواحد؛ فليـس عندهـم شـيء ثابت، ولا تكاد تعثر على رأي متفق عليه في النظر إلى هذه الفلسفات، حتى من جهة التعريف بها، وفي هذه الأجواء تُكتب هذه المقالة.

العدمية لقب ينطبق على فلسفات متطرفة متنوعة تشكل النهاية المنطقية لمعظم الفلسفات الإنسانية الغربية الحديثة. وهي ـ كما يعرفونها ـ حالة نفسية وجودية يمارسها الشخص، تقوم على رفض كل شيء من (اللاهوت إلى الفكر العلماني)، أو بعبارة أخرى: هي الاعتقاد بلا شيء؛ فالإيمان والقيم الإيجابية تنعدم وتتلاشى في العدمية؛ فلا يوجد فرق بين الوجود الإلهي وعدمه، ولا يوجد هناك مطلق أو أي أرضية موضوعية للحقيقة وخصــوصــاً الأخــلاق الحقيقية الفاضلة؛ فكـل شــيء مباح ولا اعتبار للأخلاق مطلقاً. والأمر الآخر التي ترفضه العدمية هو الإيمان بالغاية النهائية؛ إذ لا يوجد لديهم دليل يثبت أن الكون ذو هدف ويعمل لغاية؛ فالعدم نهاية الوجود.

والدين عند العدميين يعتبر خطراً أساسياً على الفرد والمجتمع؛ لأنه يعطل العقل، ويلوِّث الفِطَر السليمة، ويفسد التحليل النقدي. فالدين يقول: اعمل ما أقول لك؛ لأني قلت ذلك فقط. فالأشياء التي لا يمكن إثباتها تحتاج إلى الدين.

? شيطان العولمة ماذا يقول؟

وقد لخص ـ شيطانهم ـ «نيتشه» العدمية فيما يدعيه بـ «موت الإله» و «سقوط القيم العليا». فكل القيم والأخلاق الحديثة برمتها خاطئة وغير قابلة للتطبيق والتقدير.

والإنسان هو الذي يجعل هناك اختلافاً بين الخير والشر، والحق والباطل؛ فالعدمية جبرية صرفة؛ فهي تنفي قدرة الإنسان وإرادته، وتجعله كالقشة تحركها الرياح كيف تشاء؛ ولهذا فنحن لسنا مسؤولين عما نفعل. فكل شيء نعمله أو نفكر فيه أو نشعر به هو فقط نتيجة لأسباب مسبقة ـ ولا يهم هل هذه الأسباب المسبقة هي أعمالي وأفكاري ومشاعري الماضية ـ وهذه الأسباب المسبقة ستؤثر على الأسباب التالية.

ولو أننا تتبعنا أثر السلسلة أكثر فأكثر فإننا سوف نصل إلى هذه الأسباب التي هي خارجة عنا تماماً كالبيئة والوراثة؛ فنحن لا نملك حرية الإرادة؛ فليس هناك معنى للخير والشر؛ لسببين:

أولاً: لأننا لسنا مسؤولين عن أعمالنا؛ ولذلك فأنا لا أمدح ولا أذم على الخير والشر.

ثانياً: لأننا لسنا مسؤولين عن أفكارنا، فليس لدينا أي ثقة، أن عقلنا سيقودنا إلى الحقيقة لمعرفة الخير والشر.

وهنا تظهر محاولة العدميين في إسقاط وإلغاء إرادة الإنسان وقدرته على توجيه ذاته والسيطرة على أفكاره وسلوكه كي يكون مسوغاً في أن يفعل الإنسان ما شاء دون رقيب من ضمير، أو سيطرة من سلطة عليا تحول بينه وبين شهواته.

وهذه العدمية المقيتة التي تنافي الإدراك والحس؛ جعلت العدمي يشعر بعدم الرضا والارتياح، ولذلك هو يبحث عن الأسباب التي تجعله يعتقد بعدم وجود الإله. فالذنوب التي نقترفها تشكل مشكلة مع حالة علمنا بوجود الإله؛ لذلك يتجه العدمي إلى أن يجعل نفسه في حالة جهل؛ فيتجه للشك في وجود الإله. فالعدمية شكِّية أساساً في كل شيء: في الإله، والعالم، والحياة.

وللعدمية في الغالب تصنيفان:

الأول: عدمية هامدة (العدمية الاجتماعية) وهي في الغالب ما يُصطلح عليه بالوجودية. والعدمي الهامد عادة ما يُلازَم بأمزجة يأس، وحالات تدميرية عشوائية، وهي تنكر ـ في شكلها الوجودي المتطرف ـ الحياة نفسها بسبب مظهرها اللامعنى.

والانتحار عند نيتشه هو «عمل العدمية». فالعدمية الهامدة هي قبول عالم دون معنى باستسلام يائس.

الثاني: عدمية نشطة (العدمية السياسية) وهي محاولة للقضاء على كل القيم بما في ذلك القيم المتصلة بالعالم الحق. فالعدمية النشطة تبحث في تدمير التصنيفات الموروثة المتبقية للقيم. وهي شكل العدمية الراديكالية. و (نيتشه) يمثل العدمية النشطة في هجومه على كل الأديان والأخلاق والقيم، وكذلك الإله والغيب والحقائق والعواطف والإنسانية، والتمييز بين الحق والشر والحق والباطل.

والعدمية النشطة تؤدي إلى العدمية الكاملة والتي تتحقق عندما لا يكون هناك أي قيمة تذكر. فالعدمية الكاملة هي التدمير الكلي لجميع القيم. وإذا تحققت العدمية الكلية فإنه بالإمكان التخلي عن العدمية وإيجاد تصنيفات جديدة للقيم والتقدير.

فعندهم غياب كل الموروثات والقيم الدينية يتيح الفرصة لعصر جديد بقيم جديدة، قيم بارزة تطبق على هذا العالم تستند على تأسيس متين لقدراتنا الإبداعية، والتي تشكل عصراً جديداً للتقدم الإنساني بعــد انتصــار العدميـة. ووفقــاً لـ (نيتشه) فالحداثة تتميز من قبل مجيء العدمية الراديكالية؛ فالتاريخ بعد قرنين سيكون تاريخاً للعدمية النشطة المتطرفة. والنقطة الحرجة لتفسير الحداثة عند (نيتشه) هي إمكانية انتصار العدمية أي (إعادة تقييم كل القيم).

? العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة:

إن المُنظِّر الأساسي للعدمية في العصر الحديث هو (نيتشه) وهو أيضاً واحد من المتقدمين الأساسيين لنظرية (ما بعد الحداثة) في التراث الفلسفي الغربي. وهذا يعني أن تفكير (نيتشه) يضم عناصر كبيرة مما يسمى (ما بعد الحداثة).

وتوصيف نظرية العدمية وربطها بـ (ما بعد الحداثة) أمر في غاية الصعوبة، وخصوصاً أن (نيتشه) إنسان غامض ونظريته ـ كباقي النظريات ـ مفتوحة لكثير من التفسيرات والملاحظات. إلا أنه بالإمكان قراءة نظرية (نيتشه) بطريقة حديثة. وقد قام بتفسيرها وربطها بالحداثة الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) حيث يتصور أن الأشكال العامة لما بعد الحداثة هي في تحولات العدمية؛ فالعدمية تؤكد وتثبت ولا تنكـر عـن طـريق ما بعد الحداثة، فيصح إطلاق القول لما بعد الحداثة بالعدمية.

كتب (نيتشه) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر: «العدمية هي علة عصر الحداثة، وخصوصاً، الحداثة الأرومية، فتأثيرها يطال المجتمع الغربي وثقافته بشكل عام بالإضافة إلى الفرد بشكل خاص». وشخَّص (نيتشه) العدمية بالنبوءة؛ فهو يقول: «ما أرويه هو تاريخ القرنين القادمين؛ فأنا أصف ما سيأتي» وما يأتي قريباً هو: مجيء العدمية. فعند (نيتشه) أن جذور العدمية تنبثق من الماضي وتمتد في المستقبل. ويكشف الفيلسوف الإيطالي (فاتيمو) استقرائياً العلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة ليبين وثاقة الصلة بين نظرية عدمية (نيتشه) مع حالة (ما بعد الحداثة).

فما بعد الحداثة ـ وهو أسلوب من التفكير ـ يُتهم في الغالب بأنه عدمي، وينظر إلى مجتمع عدمي. وبتحليل أعمق للعلاقة بين العدمية وما بعد الحداثة والتي ـ نادراً ـ ما يهدف مشروع ما بعد الحداثة إلى تحرير الإنسانية من خلال تطبيق العقل في الممارسة الاجتماعية. فـ (ما بعد الحداثة) تعني تكاثر وتزايد العلم والتقنيات خلال التصنيع، وإدارة كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية، وتطبيق المشاريع السياسية والاقتصادية والسوق الرأسمالية. فـ (ما بعد الحداثة) تتميز بانشطار وتمزق المجتمع إلى مجتمعات متعددة، وأشكال جديدة غير قابلة للقياس. فهذه التشطرات لا يستطيع شخص وصف الواقع الاجتماعي فيها برمته. وبالرغم من الاختلافات بين النظريات المتنوعة لما بعد الحداثة، إلا أن (فاتيمو) يعتقد أنه يوجد اتفاق عام لمعنى فكرة ما بعد الحداثة. ولو كان لهذه الفكرة معنى فإنه يجب أن توصف بمصطلح (نهاية التاريخ).

وفقاً لوجهة نظر (فاتيمو)، توصف الحداثة عن طريق فكرة التقدم، والفكرة تســتند إلى خـط أُحـادي النظــرة للتاريخ؛ إذ لا نملك سوى نظرة أحادية للتاريخ. وهذه النظرة بُنيت كخط متسق مع المجتمع الذي يتقدم مع مضي الزمن. ففي ميزان الحداثة: الحديث أو الجديد هو بذاته قيمة. وستأتي الحداثة للنهاية عندما لا تنظر للتاريخ بنظــرة أحاديــة، ومــن ثَمَّ ينتج ما بعد الحـداثـة. لذا فإن الموضوع العام (نهاية التاريخ) تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ.

? ماذا تعني دعوى (نهاية التاريخ)؟

نهاية التاريخ «تعني نهاية الخط الأحادي للتاريخ»: لماذا ينتهي التاريخ؟ يذكر «فاتيمو» ثلاثة أسباب لذلك:

الأول: نظرية أُحادي النظرة للتاريخ، وهي نظرية أيديولوجية تاريخية متحيزة بانتقائية تخدم أغراضاً سياسية لمجموعة من الناس على حساب الآخرين. وفلاسفة التاريخ والمؤرخون يقولون إن النظرة التاريخية الأحادية والتي تؤدي للتقدم الحديث هي فقط تمثل تاريخ الرجل الأوروبي. هناك تواريخ متعددة تظهر رؤى متعددة. وتأكيد تاريخ واحد مسيطر أو ملخص لهذه التواريخ يعني سحق وإبادة للآخرين بطريقة جائرة. مثال ذلك: الرؤية الغربية للتاريخ «تطور العقل»، استُعملت لتبرير استعمار الشعوب الأقل عقلانية. فالأيديولوجية لهذا التاريخ أيدت الاستبداد والعبودية والإبادة الجماعية للسلالات الأقل درجة، وهي تمثل (نظرية داروين) المادية الملحدة.

الثاني: تفكيك أُحادي النظرة للتاريخ؛ وهذا أدى إلى نهاية الإمبريالية الأوروبية.

فالشعوب المُستبدة تمردت وأكدت وجودها مما جعل الآخرين يدركون أن هناك تواريخ بديلة، وأن التقدم الأيديولوجي يتسم بدرجة عالية من الظلم.

الثالث: وسائل الاتصال الضخمة في ظل وسائل الإعلام الهائلة؛ فإن الثقافة الأقل تُتاح لها الفرصة أن تعبر عن رأيها، ومن ثَم ازدياد التعددية في المجتمع؛ فالإعلام جعلنا مدركين لحقيقة التاريخ أحادي النظرة. فتقنية المعلومات والإعلام جعلت الناس يزداد لديهم الإدراك بأن هناك تواريخ متعددة، وليس تاريخاً واحداً.

باختصار: فإن (ما بعد الحداثة) عند (فاتيمو) وُصف عن طريق (نهاية التاريخ) في مجتمعات الاتصال الهائل المؤسس لعصر الانشطار والتعددية والتنوعية.

ومما يقبل الجدل أن العدمية الحديثة تتبع الحداثة في العموم في توظيف تفسير التاريخ الأحادي؛ فهي تذكر أنموذجاً واحداً وهو الرجل الأوروبي، والتي تقول إنه قدر الإنسانية جمعاء. بينما الحقيقة أن العدمية تعود فقط إلى الغرب كإشارة. لذلك فالعدمية الحديثة هي نقدية التاريخ، والتقدم هو تفكير تطرفي فيها. فالعدمية كفلسفة تاريخية لا يمكن أن تطبق؛ ولا يمكن وصف نصرها استجابة ملائمة لطبيعتها؛ فمنذ فكرة انتصارها ـ على الأقل في حس الحداثيين ـ فإنها أُدمجت بطريقة معقدة في فكرة التقدم. فعندما ننجز شيئاً ما، فإننا نحقق تقدماً، ومن ثَم نجد أنفسنا في مرحلة جديدة من التاريخ. فالحداثة ذاتها عُرفت بمصطلحات الغلبة وال***ق على القديم. بينما انتصار (نيتشه) للعدمية هو التعايش مع العدمية الكاملة، وليس هناك شيء آخر بعد انتصار العدمية؛ فلا نستطيع وضع قيم جديدة يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون أكثر مصداقية من التي أزلناها بدون إيمان بأن هذه القيم لديها الأخطاء نفسها كما لدى القيم التي أزلناها. لذلك لا يمكن للعدمية الكاملة أن تنتصر، وما يمكن أن تنتصر فيه العدمية يمكن أن يتشكل في انتصار الرغبة بدلاً من انتصار العدمية نفسها.

الكاتب: مبارك عامر بقنة

المصدر: مجلة البيان




  • 0

#11 ebnelrawende

 
ebnelrawende

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 1,540 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 13 أبريل 2009 - 03:47 م

        ما بعد الحداثة وتجلياتها في الوطن العربي


حسين علي عيسى


في بداية الأمر ظهر مصطلح (ما بعد الحداثة) عند المهندسين المعماريين في سبعينيات القرن الماضي، والذين بحثوا في كل تاريخ الهندسة المعمارية، لاعتماد مخططات علمية تتصف بجمالية منفردة.
صورة
ويعتبر الكثير من المؤرخين والفلاسفة بداية (ما بعد الحداثة) بصدور كتاب سوزان سونتاج (ضد التفسير) في منتصف الستينيات، بالتزامن مع مؤتمر جامعة جونز هوبكنز، والتي أعلنت نهاية البنيوية وبداية التفكيكية التي أوصلها إلى أوجها الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا وبداية عهد جديد، جاء على أنقاض الحداثة. وهنا يجب أن نميز التفكيكية، والتي هي أحد وجوه ما بعد الحداثة وأحد ملامحها كما العولمة. تعلمنا أن ننظر إلى العالم الموضوعي المادي على أنه كلي متماسك برباط السببية المطلقة، وأن العقل يدركه ككل لا كأجزاء، وهو قادر على فهمه ومعرفته ليس لواقعه فقط، وإنما لذاته وموقعها في مركزية الكون. وهي رؤية شاملة كلية للكون ومركزية لمكانة الإنسان في العالم المادي، وهذا ما يسميه الدكتور عبد الوهاب المسيري بالمادية العقلانية. يرى المسيري أن هنالك تناقضاً أساسياً في هذا النسق الفلسفي كشفه بعض المفكرين الماديين، ومنها أن العقل البشري هو الدماغ، وهو عبارة عن مجموعة من الخلايا المادية، فلماذا تنسب للعقل البشري هذه الرؤية الشاملة للكون وإعطائه مركزية للذات الإنسانية للكون وتجاوزه للعالم المادي واستقلاله عنه، بالرغم من أن الإنسان وعقله جزء من العالم المادي؟ الداروينية ترى أن الطبيعة مليئة بالفوضى، ونظرية الكوانتم أو عدم التحديد ترفض تحديد مكان إلكترون في حيز صغير للغاية لا يتجاوز مداراً داخل ذرة يسير في داخلها الإلكترون بسرعة عالية.‏

صورة
ونسبية أينشتاين ذات البعد الرابع ترى أن الزمان والمكان نسبيان وتضع مقولة الزمان - المكان، وكذلك هيراقليطس الفيلسوف اليوناني القديم فيلسوف التغير وجد أن العالم متغير ونحن لا نستطيع أن نستحم في ماء النهر مرتين.‏

صورة
كل ما سبق وضع للماديين الجدد (المادية اللاعقلانية) رأي آخر، فالإنسان جزء من الطبيعة المتغيرة وذاته ليست مركزاً للكون، بل إن الطبيعة لا تكترث للإنسان، والرؤية الشاملة للكون هي نظرية ميتافيزيقية ثابتة، الكون متغير وبشكل دائم وبلا توقف، فكيف لنا أن نعرف حقائقه؟ يوضح المسيري أن الإ،سان قد قوّض (أنطولوجيا) وجودياً و(أبستمولوجياً) معرفياً. لم تعد معرفة الإنسان عن العالم هي المعرفة الحقيقية ولم يعد مكانه هو مركز الكون، بل هو جزء منه وحسب، والمطلوب هو الارتباط بالصيرورة ورفض كل ما هو ميتافيزيقي يدعو إلى الثبات. الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه،‏

صورة
هو أفضل من تحدث عن الفلسفة اللاعقلانية وعبارته الشهيرة حول نهاية المطلق والتي تشمل الإنسان والكون معاً، فالعقل الإنساني غير قادر على معرفة يقينية والوصول إلى أنساق أخلاقية، وأن الطبيعة لا قداسة لها، فهي عبارة عن قوى متصارعة، وأن الفلسفة الحديثة الحقة تعتمد جوهرياً على فكرة نهاية المطلق، بمعنى إنكار وجود أي نقطة ثابتة أو أي مرجعية تتجاوز الطبيعة والكون. وقد حاول نيتشه بفلسفته أن يخلص الإنسان من أوهامه بالثبات والكلية والتجاوز. وقد ذكر سامي أدهم في كتابه (ما بعد الحداثة) أن الذاتية المركزية انهارت في فلسفة نيتشه مع انهيار المطلق. يرى فتحي التركي أن العقل لا تملكه حضارة دون أخرى، والعقل هو مفتاح الحداثة، والتعقيلية هي سبيل التحديث، فالحداثة حسنت الإنسانية من خلال وضعها لمنظومة قيم سادت العالم، وهي استكمال للدورة الجدلية للتفاعل الحضاري بين الشعوب والأمم بالاعتماد على المنجزات العلمية والثقافية في جميع الحضارات، والحداثة هي تطور المجتمع واقتصاده وأنماط حياته وتفكيره وثقافته
صورة
أما ما بعد الحداثة، فقد قامت على تدمير ثلاثة قواعد تأسست عليها الحداثة:‏

1-الذات: بنيت الحداثة على الوعي بالذات، وهذا ما يرفضه نيتشه، وكل فلاسفة ما بعد الحداثة، ويرفضون مركزية الذات للكون. يرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر فوكو أن الذاتى تقع تحت سلطة المعنى والمعرفة.‏

2-الحقيقة: الحقيقة حقائق وليست واحدة، لم تعد هناك حقيقة دائمة نهائية طالما أن العالم متغير وبشكل دائم. يوضح فوكو ومن قبله نيتشه وهيدغر أن الحقيقة لم تعد مجردة، وللحقيقة وجه آخر هو العنف والاستبداد. والحقيقة في ما بعد الحداثة لعبة لا غير هدفها الإبقاء على سلطة الأنساق الكبرى ضد الإنسان الفرد لكبت رغباته وتحويله إلى آلة محكومة.‏

3-الوحدة: لقد ضربت ما بعد الحداثة مفهوم الوحدة، وحدة الوجود ووحدة الحقيقة ووحدة العقل. وفي نهاية الأمر يجد التريكي أن ما بعد الحداثة قد بدلت قيم الحداثة بمنطق الربح والهيمنة وفوضى السوق التي تسود الآن. إذا ما حاولنا أن نبحث عما يجول في عالمنا سنجد الصور والأفلام الإباحية التي تستدعي اللذة الجنسية، الوجبات السريعة اللذيذة، أسلحة وقتل، عولمة وحروب وسيطرة ووسائل إعلام موجهة، منظومات أخلاقية تخص اللذة وموجهة لها، انفصال الجنس عن القيمة الأخلاقية، المطالبة بالحرية الجنسية، فقدان الأسرة لبنيتها التقليدية، كل شيء أساسه اللذة. جاك ديريدا الفيلسوف الفرنسي الذي أعلن نهاية البنيوية وبداية عهد ما بعد الحداثة وبداية الفلسفة التفكيكية، يرى أن الإنسان يحاول البحث عن أرض ثابتة ليقف عليها.‏

وقد كان ديريدا ي***ه بكلمات لا علاقة لها بالواقع مبتعداً عن الثبات وعن كل الثنائيات التي عرفناها (الدال والمدلول، الذات والموضوع، الخير والشر..)،‏
صورة
حيث فصلت ما بعد الحداثة العلاقة ما بين الثنائيات، فاللغة ليست المعبرة عن الواقع وبشكل حقيقي، يقول ديريدا: "إن تاريخ المطلق الصانع هو تاريخ الجسد الذي طارد جسدي الذي وُلد من خلال تمزيق جسدي واحتفظ بقطعة منه حتى يتظاهر أنه أنا". وجد المسيري أن هناك صورتين مجازيتين إداكيتين للتطور من المادية العقلانية إلى المادية اللاعقلانية، صورة آلية نيوتونية وأخرى عضوية داروينية، وقد تطورت عن الصورة المجازية العضوية صورتان مجازيتان أساسيتان هما الجسد والجنس. ففي محاولة لتجاوز ثنائية الذات والموضوع، أصبحت ترد الطبيعة المادية للإنسان للجسد ثم أصبحت ترد للقاسم المشترك بين الكائنات الحية وهو الأعضاء التناسلية (اللذة). يقول الفيلسوف ليوتار: "الجسد أصبح الفلسفة"، الحداثة هي الجسد وما بعد الحداثة هي الجنس. في ما بعد الحداثة، لا توجد كليات مادية أو روحية، ولا توجد ثنائيات (الدال والمدلول، الذات والموضوع)، وهو محاولة للقضاء على الثبات والميتافيزيقا وعلى الحقيقة الكلية، والعالم ينقسم إلى وحدات طبيعية متساوية ومستقلة ومنفصلة ومنغلقة لا مركز لها لا يمكن التمييز بين الحقيقي والزائف. إن عالم ما بعد الحداثة هو عالم الصيرورة. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أين واقع الوطن العربي من ذلك الفكر؟ وما هو ردّ فعل مفكرينا مما يقدمه فلاسفة ما بعد الحداثة؟ فيما يخص كل مفكرينا العرب، فهم متلقون دارسون ويدرسون الفكر الغربي المنظور من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. هذا إن اعتبر مفكرونا الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة هو تطور. يقوم الفكر العربي بتلقي هذه الفلسفة، ثم يحاول النظر إلى وطننا العربي من خلال تلك الثقافة أو الفلسفة، هذا إذا اقتنع بها، ولن نجد لحظات إبداع بين كلمات مفكرينا سوى آراء متناثرة عن الحداثة وما بعد الحداثة تنقل فيها كل ما يقوله الفلاسفة والمفكرين الغربيين. والواقع أن التريكي يرى أنه ليس للمثقف العربي الحرية الكافية للنقد والتحليل والنقاش واتخاذ المواقف الجريئة وأننا لم نستطع في وطننا العربي تطوير قيمنا ومقومات حضارتنا حتى نعطيها صبغة شاملة. ما يراه التريكي واقعي، فنحن نعيش في وطننا العربي، في وطن تغمره القيم مقدسة مفارقة وقيم أخلاقية ذات أساس ديني وتراث يرمي بنا إلى الخلف وقيم اجتماعية ذات قدسية عالية وكبت سياسي يرفض للمفكر العربي أن يكون في موقعه. كل ذلك يجعل من مفكرينا دارسين ومدرسين للفكر الغربي وتطوره بدون لحظات إبداع حقيقية من مفكرنا العربي المقيد. الحداثة قيم وحقوق، ولكنني لم أجد سوى القليل من الحقوق لمواطننا العربي، لم أجد سوى تحسن بسيط لإنسانية العربي، إذا ما علمنا أن الحداثة تنادي بالتطور وتحسن الإنسانية، الحداثة تطور للمجتمع بكل جوانبه، والمجتمع العربي لم يصل إلى التطور المطلوب. وكما استوردنا الحداثة المشوهة من الغرب نستورد بل يدخل علينا عالم ما بعد الحداثة والعولمة مشوهاً كئيباً. وإن كان مفكرنا العربي المقيد دارساً ومدرساً للفكر الغربي المستورد، فعليه تقع مسؤولية، كما على كل عربي، أن يكون جزءاً من حركة تطور المجتمع العربي فكراً وثقافة، إن كان واعياً للعولمة وعهد ما بعد الحداثة، ناشراً لفكره ولرأيه في ما يدور في العالم من تطور.‏






  • 0

#12 شاهد على العصر

 
شاهد على العصر

    Advanced Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip Pip
  • 42 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 16 يونيو 2012 - 06:36 م

تحياتي استفدت كثيرا  :-x
  • 0




عدد المتواجدون الآن فى الموضوع : 0

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين