الانتقال الى المشاركة




مرحباُ بكم في منتدى الملحدين العرب

صفحة المنتدى على موقع الفيس بوك

صورة

كانط بين الفلسفة النقدية ما بعد الحداثة


  • من فضلك قم بتسجيل دخولك لتتمكن من الرد
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1 فيلسوف فاسي

 
فيلسوف فاسي

    Member

  • الاعضاء
  • Pip Pip
  • 20 المشاركات
 

تاريخ المشاركة : 13 سبتمبر 2008 - 02:50 م

كانط.. وما بعد الحداثة



نحو قراءة جديدة.

نتناول فى هذه الدراسة قراءة فلاسفة ما بعد الحداثة للفلسفة الكانطية. وهى واحدة ضمن قراءات عديدة للفلسفة النقدية وتعد أكثرها معاصرة، رغم قلة ، او ندرة  توقف الباحثون أمام هذه القراءة (1). وربما يرجع سبب ذلك إلى رد مصادر ما بعد الحداثة الفلسفية دائما إلى نيتشه وهيدجر وليس إلى كانط، رغم الاهتمام الكبير الذى أولاه ما يطلق عليهم فلاسفة ما بعد الحداثة نحو عدد من القضايا والتصورات التى شغل بها صاحب الفلسفة النقدية متعمقين فيها مطورين لها. تزداد أهمية فلسفة كانط زيادة مستمرة فى العصر الحالى، ويتجلى ذلك فى مظاهر متعددة منها تكوين جمعية الكانطيين بباريس 1988 والتى يرأسها حاليا ج. فرارى G. Ferrari رئيس تجمع الجمعيات الفلسفية الناطقة بالفرنسية والأستاذ بجامعة ديجون Dijon . كما تظهر فى هذا الحضور لدى الفلاسفة المعاصرين الذين يعودون دائما للفلسفة النقدية بالقراءة والتفسير خاصة في الهيرمينوطيقا لدى جادامر وريكور ، ولدى هيدجر. ومهمة هذه الدراسة تحليل هذه القراءة وبيان أن اهتمام أصحابها بفلسفة كانط يتقارب مع اهتمامهم بصاحب فلسفة "إرادة القوة" و"العودة الأبدى" واهتمامهم بصاحب "الوجود والزمان". والسؤال الذى نطرحه هو ما هى الجوانب التى توقف أمامها أصحاب ما بعد الحداثة؟ وما هى التفسيرات التى قدموها لهذه الجوانب؟ وهل يمكن القول أن هناك توجها لديهم نحو فيلسوف كونجسبرج وفى أى اتجاه يسرى اهتمامهم بفلسفته؟ هل نحو نظرية المعرفة أم الأخلاق؟ أم أن ما لفت انتباههم إليه الجوانب الجمالية والسياسية والتاريخية؟

ويمكن القول أن القراءة ما بعد الحداثية للفلسفة الكانطية، قراءة تضاف إلى قراءات سابقة متعددة لهذه الفلسفة. فالواقع أن كل اتجاه فلسفى يجد فيها ما يدعم توجهاته . فهناك قراءة تحليلية ، وقراءة ماركسية ، وقراءة بنيوية، وقراءة حداثية. ويمكن أن نشير بإيجاز إلى ملامح بعض هذه القراءات السابقة لبيان ثراء الفلسفة النقدية التى توقف أمامها الفلاسفة الجدد، أصحاب ما بعد الحداثة أو فلسفة الأختلاف.

أهتم كانط فى فلسفته كما هو معروف بالنقد، والنقد يعنى نقد قدرات العقل المعرفية وبيان حدود هذه القدرات قبل تجربة المعرفة، والإدراك للكشف عن المبادئ العقلية الأولية الخالصة التى تؤسس التجربة وتجعلها ممكنة، أى تحديد إمكان المعرفة لبيان ما يمكن ولا يمكن معرفته، أى أن الفيلسوف أنشغل بالعقل والذات العارفة أكثر من أنشغاله بواقع تجربة المعرفة والأشياء المعروفة. فما يهدف إليه هو البحث فى مشروعية المعرفة، أى ما يعطى أحكام العقل المعرفية صدقها وموضوعيتها. والمتعالى (الترنسندتنالى) عند كانط ليس سوى هذه الطريقة فى البحث، أنه المبدأ الذى يفسر خضوع التجربة بالضرورة لتصورات العقل المستقلة عنها، هو ذلك المجال الذى يتيح الربط على نحو ضرورى وكلى بين التصورات المحضة ومعطيات التجربة بين المباحث العقلية والوقائع التجريبية بين عالم العقل وعالم الطبيعة. (*)

وقد وجدت هذه الفلسفة تفسيرات أو قراءات عديدة، منها أنها فلسفة تحليلية.

1- الفلسفة النقدية فلسفة تحليلية هكذا كتب داعية الوضعية المنطقية والفلسفة التحليلية زكى نجيب محمود جاعلا من كانط رائداً للتحليل. فالفلسفة مهمتها التحليل، والكشف عن الفروض السابقة المطلقة التى ينطوى عليها تفكير الناس فى عصر من العصور هو الواجب الأول للفيلسوف، ولما كان كانط قد جعل مهمته الأولى أن يحلل قضايا العلم مثل هذا التحليل، فإننا نعده فى طليعة فلاسفة التحليل (2). ويفصل لنا زكى نجيب هذه القراءة فى الفصل الثانى من كتابه "موقف من الميتافيزيقا" محاولا أن يجد سندا لهذا الموقف عند كانط. فقد كتب "نقد العقل النظرى الخالص" وأراد أن يمهد السبيل إلى ميتافيزيقا تقوم فى المستقبل خالية من أوزار الماضى وأخطائه، أنه لم يرد بكتابه أن يقدم تفكيرا ميتافيزيقيا إيجابيا بل أراد أن يتخذ منه آداة تعينه على كشف الطريق السوى للبحث الميتافيزيقى المنتج.. لكنه لا ينتهى من بحثه ذاك إلا وقد أدرك أن التحليل للقضايا العلمية فى الرياضة والطبيعة هى كل ما يرجوه الفيلسوف لنفسه ولا شىء غير ذلك. فإن كان للميتافيزيقا معنى فهى تحليل القضايا العلمية. لهذا نجد الفيلسوف الإنجليزى التحليلى أير Ayer يهتم بكانط وبتقديم كتاب س. كورنر S. Korner عنه (3).

2- وهناك ما يمكن أن نطلق عليه القراءة الماركسية لفلسفة كانط - صحيح ليست هى السائدة مثل القراءة التى تربط ماركس بهيجل - نجدها لدى فلاسفة مدرسة ماربورج في محاولتهم تأسيس الأخلاق الاشتراكية على نظرية كانط في الفكر العملي خاصة عند هرمان كوهين ، الذي روج للإشتراكية الخلقية (4) ، وكارل فورليندر  Vorlnder (5)  وكذلك لدى فلاسفة المدرسة الماركسية النمساوية أمثال : ماكس ادلر (1783-1937) واوتوباور ، ورودلف هلفردنج . فقد رأي أدلر أن لدى الكانطية أكثر من فلسفتها الخلقية لتزويد الماركسية بما يلزمها من عناصر فلسفية، وحاول أن يطبق الترانسندتنالية الكانطية على نظرية المادية التاريخية (6) إلا أن أهم ممثل للنزعة الكانطية في الماركسية الفيلسوف الإيطالي المعاصر لوتشيو كوليتي lucio colleti  الذي نادى بنزعة كانطية ـ فيما يقول عادل ضاهرـ في محاولته إيجاد حلقة الوصل بين كانط وماركس في نظره كانط إلى الوجود على أنه شئ فوق منطقي extra logical  فهذه النظرة إلى الوجود هي ما تحتاج إليه الابستمولوجيا الماركسية  باعتبارها ابستمولوجيا مادية (7). وهناك من يرى أن ماركس أظهر بعض التأثير بكانط مثل الفيلسوف الألماني المعاصر ياكوب طاويس Jacop Toubes  (8) .

ويمكن أن نلتمس كانطية بنيوية لدى كلود ليفي ستروس Straues  حيث يبدو تأثير كانط على الأنثروبولوجيا البنيوية عنده . وستروس يعترف جزئيا بهذه الكانطية. لقد وصفت الأنثروبولوجيا البنيوية بالفعل بأنها كانطية بدون ذات متعالية ولم يرفض ستروس نفسه هذا الوصف لأبحاثه ، بل أنه أكد هذه القرابة التي تربطه بفلسفة نقدا العقل النظري وقد كتب في الصدد يقول : "عندما نضع كهدف لأبحاثنا ، الكشف عن الاكراهات الذهنية ، فإنه اشكاليتنا تلتقي مع الفلسفة الكانطية ، على الرغم من كوننا نسلك سبلا أخرى . ويرى البعض أن اللاشعور في الأنثروبولوجيا البنيوية لا شعور مقوليا  يتصف أساسا بقدرة على التركيب والتأليف أنه نمط من البنية الصورية التي تضم المبادئ القبلية للتعقل والتفكير والمعرفة يمكن أن يماثل بما هو موجود في الفلسفة الكانطية (9).

وينظر جان جراوند Jean Grondin  أحد الكانطين المعاصرين إلى نقد العقل عند كانط بمنظور بنيوي فقد تعامل كانط مع موضوعه (نقد العقل) بطريقة بنيوية تزامنية لا بطريقة توليدية أو تاريخية . ومن هنا فهو لم يسع إلى استعراض تاريخي للمعارف والافكار . بل هدف بالدرجة الأولى إلى تحليل بنى وأليات أو وصف قوي ووظائف ، أو استنباط قواعد بالمعنى اللغوي النحوي للكلمة ، لقد أكتشف كانط أرض معرفية جديدة لم يتم استيطانها لقد أراد لنقده أن لا يكون فقط تاريخا للعقل الفلسفى بل تحليل جغرافية ورسم خارطة العقل البشرى (10).

ويمكن أن نضيف أهتمام هابرماس، وأهتمام مفكرى الحداثة بهذه الفلسفة تمهيداً لتناول قراءة فلاسفة ما بعد الحداثة لها.

يؤكد هابرماس أهمية الحداثة وضرورتها وأنها لازالت لم تسنفد دورها فهى مشروع لديه ما يقدمه، لم يستكمل بعد، يواصل تقاليد الحداثة والتنوير ويطورهما وهو ما يزال مرتبط عن كثب بتقليد التفكير النقدى التحريرى الاجتماعى الذى شعاره المبكر مقالة كانط الديالكتيكية ما التنوير؟. ويمكن مراجعة مناقشة هابرماس لمقالة كانط فى دراسته "التصويب إلى قلب الحاضر" فى كتاب ديفيد كوزيه هوى: "فوكو قارئ نقدى، أكسفورد، ودراسة كل من هوبرت، بول راينو: ما النضج؟ هابرماس وفوكو حول مسألة ما هو عصر التنوير (11). حيث لنا أن هابرماس ما يزال جوهريا مشغول بالأسئلة الثلاثة للنقد الكانطى: ماذا يمكن أن أعرف؟ ماذا على أن أفعل؟ وماذا يمكننى بشكل معقول الطموح إليه؟ كما فى كتابه الوعى الاخلاقى والعقل التواصلى.

****

وإن كان البعض يرى أن تفكير هابرماس فى إعادة صياغة هذه الأسئلة ضن صيغ لغوية تواصلية أو أفعال - كلامية - مؤشر على تراجع هابرماس عن "موقفه الكانطى" القوى الذى تجلى فى كتاباته الأولى وهذا ما دعا إلى دراسة منزلة كانط في مدرسة فرانكفورت (12).

ويهمنا أن نحدد موضوعنا فى البداية بالأشارة بإيجاز إلى بعض الأراء التى تسعى لتعريف ما بعد الحداثة ، ورغم تعدد وتشعب بعض هذه التعريفات وعدم تحددها ـ حتى نتمكن بعد ذلك فى الفقرات التالية تناول موقف كل فيلسوف من الفلسفة النقدية، لكى نعطى صورة ثانية عن مصادر ما بعد الحداثة الفلسفية تضاف للمصادر المعروفة لها والتى تتوقف خاصة عند نيتشه وهيدجر وأحيانا فرويد (13).

وعلى الرغم من صعوبة تقديم تعريف لما بعد الحداثة لكثرة هذه التعريفات وأختلافها وتعقد لغة أصحابها واتساع معارفهم فإننا نهدف إلى تحليل مجموعة النصوص التى قدمها كل من: جيل دولوز وميشيل فوكو وفرانسوا ليوتارد د وجاك دريدا الذين يشار إليهم - رغم الاختلافات بينهم ورغم تطور أعمالهم وفقا لمناهج وتوجهات فلسفية مختلفة عبر مراحل كتاباتهم - على أنهم فلاسفة ما بعد الحداثة (14) .

تشير كارول نيكلسون إلى أن أطروحة ما بعد الحداثة فى الفلسفة تشمل عددا من المقاربات النظرية من بينها: النزعة البنيوية و البرجماتية الجديدة. وهى مقاربات تسعى إلى تجاوز التصورات العقلية ومفهوم الذات العارفة باعتبارها تمثل أساس التقليد الفلسفى الحداثى الذى خط معالمه الأولى ديكارت وكانط" (15). وتمثل ما بعد الحداثة - عند البعض - حركة فكرية تقوم على نقد، بل رفض الأسس التى تركز عليها الحضارة الغربية الحديثة، كما ترفض المسلمات التى تقوم عليها هذه الحضارة، أو على الأقل ترى أن الزمن قد تجاوزها وتخطاها. ولذا يذهب الكثيرون من مفكرى ما بعد الحداثة إلى أعتبارها حركة أعلى من الرأسمالية. أن عصر الحداثة عندهم أنتهى بالفعل، وما بعد الحداثة ، تهيئ ، بأعتبارها نقدا له ، لقيام مجتمع جديد يرتكز على أسس جديدة غير تلك التى عرفها المجتمع الغربى الحديث (16).

يقول ديفيد لاين : "لقد دخل مصطلح ما بعد الحداثة الاستخدام العام بعد ظهور كتاب ليوتارد  Lyotard "الوضع ما بعد الحداثى" ولكن بعد تأسيس هذا التيار التحق به كتاب أخرون - معظمهم فرنسيون - خلال الثمانينات، ورغم أن العديد من هؤلاء الكتاب تجاهلوا هذا المصطلح أو نفوه أو ابتعدوا عنه، إلا أنه بقى عالقا بأسمائهم ومن بينهم: جان بودريار Boudrilard وجاك دريدا Derrida وفوكو وليوتارد  نفسه طبعا. ولا يمكن تجاهل كتاب أخرين مثل: جيل دولوز وجيانى فاتيمو Ginni Vattimo وريتشارد رورتى (17). ورغم أن هؤلاء الفلاسفة الذين يسميهم فيلب مانغ Philipp Meingue فلاسفة الاختلاف لا ينطون تحت لواء مدرسة توحدهم فأن هناك خيطا سريا يسرى ويجمع بينهم، فجميعهم فى خدمة الاختلاف والمغايرة ومن البديهى أن بين أعمالهم تمايزا لكنهم يلتقون من خلالها حول هم واحد يشغلهم هو تفتيت الفلسفة الغربية وتفكيكها إلى أبسط عناصرها ومن ثم إمكانية الخروج منها (18). وحسب هؤلاء فإن مسعى الفلسفة كان دائما ينحو إلى رد ما هو متعدد إلى الوحدة. واذا كانت الفلسفة على المستوى النظرى، تحجب التناقض لتبرز الوحدة، و على المستوى السياسى فهى دائما تبرر الوضع القائم، هى فلسفة رد للماثل والوحدة والدولة (19). بينما فلسفة الاختلاف تطمح إلى تغير بنية وعى الأفراد بأن تصدهم عن الرغبة فى الحنين إلى بناء وحدة شمولية وتضامنية، أنها فلسفة تحترز وتحتاط من كل ما هو مشروع توحيدى تكون الدولة هى التجسيم الفعلى له. وفلاسفة الاختلاف إذ يحترزون من مثل هذه المشاريع فلانهم يخافون أن يؤدى ذلك إلى الانغلاق (20).

وترد معظم - وربما كل - الدراسات أصول ما بعد الحداثة وفلسفة الاختلاف إلى نيتشه، الذى يمثل مفترق الطرق تفرعت عنه ما بعد الحداثة بخطيها، خط نظرية السلطة كما تطورت لدى فوكو مرورا بباتاى وخط نقدا الميتافيزيقا الذى ورثه هيدجر ودريدا، فهو يطبق جدل العقل لكى يفجر الغلاف العقلانى للحداثة (21).

ويتناول مادون ساروب Madon Sarup بعض التيارات بعد البنيوية فى الفصل الرابع من كتابه "مدخل تمهيدى إلى ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة ". حيث نجد أفكار نيتشه تعود بقوة وتشكل أصل أهم الاهتمامات فى أعمال دولوز وجاتارى وليوتارد . يقول: "لقد تأثر العديد من المفكرين تأثرا عميقا بفلسفة نيتشه، خاصة برفضها "وهم" الحقيقة والأفكار المتحجرة حول الدلالة واعتقادها بأرادة السطلة وتأكيدها على النزعة الديونسزية. تأثر فوكو بنيتشه فى أواخر الخمسينات وبدأ ينتقد التاريخانية والنزعة الإنسانية (22). كما ندد ليوتارد  الذى كان مناضلا يساريا بالاتحاد السوفيتى (23). ورجع ساروب يلخص لنا فى نهاية هذا الفصل شجرة الانساب النيتشويه (24). فلو أمعنا النظر فى أعمال دولوز وجاتارى ودريدا وفوكو وليوتارد  وغيرهم لتأكدنا من أثر فلسفة نيتشه، فهم أولا يشاطرونه العداء لفكرة النظام، ثانيا يرفضون نظرة هيجل للتاريخ كتقدم أو تطور، وثالثا يدركون الضغط المتزايد من أجل التشابه والتطابق وينتقدون هذا التيار. رابعا يكرسون الفرد ضد السياسى نتيجة اهتمامهم البالغ بالذاتية والرواية الصغيرة.

والحقيقة أننا بدأنا نفهم الكثير بالنسبة لأهمية نيتشه فى ما بعد الحداثة من خلال كتاب جيانى فاتيمو Vattimo "نهاية الحداثة" فهو يرى فى نيتشه ما يجمع بين فلاسفة وأفكار ما بعد الحداثة يقول: "أن التنظيرات المتفرقة وغير المترابطة لما بعد الحداثة لن تكون مفيدة فلسفيا إلا إذا ربطت ما بين اشكالية العود الإبدى النيتشويه وتجاوز الميتافيزيقا عند هيدجر (25). وهذا ما يشاطره فيه ديفيد لاين، الذى يؤكد أنه لكى يتسنى لنا فهم التيارات الأساسية فى الفكر ما بعد الحديث يجدر بنا أن نرجع قليلا إلى الوراء لنستجوب أولئك المفكرين الذين استبقوا ما بعد الحداثة. ومن دون شك أن أهم مفكر فى هذا الصدد هو نيتشه فهو بحق مفكر ما بعد حديث سابق لاوانه (26).

يصور نيتشه فى تاريخ الفلسفة باعتباره المقابل لكانط، وإذا استخدمنا لغة نيتشويه فهو يمثل الديونسيزية مقابل كانط الذى هو أقرب للروح الابولونية. والحقيقة أنه يمكن القول إذا كان نيتشه وهيدجر من المصادر الأساسية لفلسفة ما بعد الحداثة. فإنهما بدورهما اهتما بالفلسفة الكانطية. لقد كتب دولوز عن علاقة نيتشه وكانط فى كتابه "نيتشه والفلسفة" وأثار كل من كريستوفر وأنت واندزجى كليموفسكى إلى موقف نيتشه من كانط ؛ وهما يريا أن تحليل كانط للحكم فى علاقته بالاستطيقا بوصفها أحساس، يمكن أن يرى كاستباق لتحليل نيتشه للقوة من منظور الانفعالات المتصارعة. وإنهما يستخدمان على نحو متشابه شخصية العبقرى لسبراغوار الأفكار.

ويرى البعض أن نقد نيتشه للنزعة الإنسانية باعتبارها ميتافيزيقا ، وأنها بدورها عبارة عن أخلاق تصطنع قيما مزيفة للواقع.. إن هذا النقد يسير فى الاتجاه المعاكس تماما للتقليد الفلسفى الكانطى.. فبينما دعا كانط إلى ضرورة تحقيق أفكار الميتافيزيقا على أنها مجرد قيم لتأسيس الأخلاق ومسلمات الفكر العلمى، يرى نيتشه أن النقد الجذرى للفكر الميتافيزيقى برمته لا يتحقق إلا بفضح حقيقته التى هى تكمن فى أنه مجرد أخلاق.

وهيدجر أيضا قدم عدة دراسات عن كانط مثل: "كانط ومشكلة الميتافيزيقا" ، " السؤال عن الشىء "مقولة كانط عن الشىء" وحلقة بحث عن كتاب كانط " الدليل الوحيد الممكن على وجود الله" ، ويمكن ان نرى بينهما بعض التشابه ؛ وهو أن فلسفة كانط تدور حول إشكالية رئيسية ينشغل بها هو أيضا وهى أشكالية الوجود المتعين، وهى تشير إلى المكان الذى يتطور فيه الموجود ويمكن أن نصل إليه. لقد سعى هيدجر كما يرى كل من: وانت وكليموفسكى إلى أعادة صياغة سؤال كانط عن الأحكام التركيبية القبلية (27).

ويظهر الاهتمام المعاصر الكبير بصاحب الفلسفة النقدية . فى مجالات فلسفية متعددة ، نشير من بينها الى فلسفة الاخلاق المعاصرة خاصة الاخلاق النظرية للتعالى الدينى عند لفيناس ، واخلاق الحوار عند كارل – اوتوابل ، والاخلاق التواصلية عند هابرماس ، واخلاق الحضارة التقنية عند هانز يوناس واخلاق العدالة والانصاف عند جون رولز كما اوضحت جاكلين روس  J.Rus فى كتابها الفكر الاخلاقى المعاصر La Penlee Ethique Contemporaime    ودراستنا مقدمة فى الفكر الاخلاقى المعاصر .

ويمكن الاشارة الى العناية التى يوليها فيلسوفا الهيرمينوطيقا هانز جادامر و بول ريكور للفيلسوف الالمانى او الموقف النقدى الذى نتخذه بعض التيارات المعاصرة خاصة ما يسمى بالفلسفة النسوية. بالإضافة إلى حضور في فلسفات : إمانويل ليفيناس ، وكارل أوتوابل ، وهانز يوناس ، وجون رولز.   

وسوف نتوقف فى الفقرات التالية عند قراءة كل من: جيل دولوز وفوكو وليوتارد  ودريدا ، الذين أفرد كل منهم عمل أو أكثر حول كانط قراءة وإعادة تفسير فى بعض جوانب الفلسفة النقدية التى لم تلقى نفس الاهتمام من غيرهم من المفكرين السابقين، الذين توقفوا أمام جانبين فقط فى فلسفة كانط هما: نظرية المعرفة أو نقد العقل النظرى الخالص ونظرية الواجب أو نقد العقل العملى الخالص (28).

أولاً: جيل دولوز وفلسفة كانط النقدية:

نتناول فى هذا القسم الأول من البحث قراءة جيل دولوز لفلسفة كانط والاهتمام الكبير الذى خصصه لمفهوم النقد، فى كتبه النقدية الثلاثة خاصة كما يتجلى فى "نقد ملكة الحكم". حيث تناوله فى كتابه "كانط والفلسفة النقدية" وفى العديد من كتبه الأخرى. وسوف نشير فى البداية إلى أهم ملامح فلسفته لنوضح مكانة كانط فى هذا السياق.

لقد عرف دولوز باعتباره فيلسوف الاختلاف وصارت عبارته أن الفلسفة هى أبداع التصورات هى التعريف الغالب على فلسفته (29). وقد مر تفكيره كما يخبرنا بمراحل متعددة. يقول فى حوار أجراه معه ريمون بيلور وفرانسوا إوالد فى المجلة الأدبية الفرنسية عام 1988 "يمكننى الحديث عن ثلاث مراحل، لقد بدأت بتأليف كتب فى تاريخ الفلسفة حيث الكتاب الذين أهتممت بهم ، كان يجمعهم شىء مشترك". كتب عن هيوم كتابين، واسبينوزا ومشكلة التعبير، ونيتشه كتابين، وعن البرجسونية و"كانط وفلسفته النقدية" 1963. وسعى فى المرحلة الثانية لبناء فلسفته الخاصة التى تتضمن على سبيل المثال: "الاختلاف والتكرار" 1968 "ومنطق المعنى" 1969 ثم "أوديب - مضادا" و"ألف سطح" بالاشتراك مع فيليكس جاتارى. وانصب اهتمامه فى المرحلة الثالثة على الأدب عموما حيث كتب على سبيل المثال "مارسيل بروست والعلاقات" و"كافكا" وعن فن الرسم مثل "بيكن: منطق الحساسية" وعن السينما، ثم عودة لتاريخ الفلسفة حيث كتب عن "فوكو" و"الثنية ليبنتز والباروك" . يقول: "أما كتابى حول كانط فهو مختلف... لقد اشتغلت عليه كما لو كنت أشتغل على عدو بهدف معرفة كيف يعمل، كيف تعمل أجهزته" (30). وفى هذا السياق يرى كريستوفر نوريس Ch. Norris أن دولوز فى دراسته عن كانط، يقدم تناقضات العقل المحض والعملى بطريقة تدرك المراد (الكانطى) المنطقى منها، حتى أثناء الكشف عن سقطاتها المتعلقة بالبنية (31).

إلا أننا نجد تفسيرا آخر لموقف دولوز فى تأريخه للفلسفة يرى أن دولوز يقف أمام تفردات الفلاسفة، وإبراز هذه التفردات ، هو وقوف عند الحدث داخل الفكر، على هذا النحو ينبغى أن نفهم التنقيب الذى يمارسه دولوز فى تاريخ الفلسفة التقليدى. يصر دولوز على الاهتمام بهؤلاء لا بحثا عن نماذج فكرية جديدة، وإنما سعيا وراء "ضبط الفكر أثناء عمله عند المفكر" (32) راجع كتاب الان باديو Alain Bediau عن (دولوز)، هاشيت Hachette, Paris 1997 ، الذى يحدد الوضعية التى تحتلها فلسفة دولوز فى الفكر الفلسفى المعاصر وما أثارته من جدل وذلك لخصوصية السؤال الفلسفى عنده. فهو يمارس فلسفة ترفض كل تصنيف وكل نسق مغلق وكل أنتماء فلسفى أو أندراج ضمن التيارات الفلسفية السائدة. فهو يبنى فلسفة ذات توجه حيوى وذات توجه ديموقراطى. ويذهب بادبو خلافا للعديد من التأويلات التى تعتبر فلسفة دولوز فلسفة للمتعدد وللرغبة، يرى أنها تكمن فى كونها تتحرك فى تجاه فلسفة التأسيس لقدوم الواحد وهى عنده فلسفة نسقية مفتوحة. أنظر إبراهيم عمايريه: دولوز تأليف باديو، مجلة أوراق فلسفية، القاهرة، العدد 2 - 3 ص 124 - 128 ويهمنا الأشارة إلى أهتمام دولوز بالفلسفة العربية الإسلامية خاصة ابن سينا،  ويمكننا أن نقول.. أن الفلسفة مع دولوز تعود إلى قضاياها ومناهجها الخاصة حيث يرى دولوز نفسه دائما فيلسوفا كلاسيكيا ، ويأتى التجديد للفلسفة من نوعية الأسئلة التى نطرحها عليها والقلقة بهموم العصر (33).

أن المشروع الدولوزى يبتغى هذه الفكرة القائلة بأن ثمة تاريخا وتواتر زمنيا وهذا يعنى فيما يرى فيليب مانغ، الإطاحة بالأسس التى تقوم عليها صروح الحقول المعرفية للعلوم الإنسانية. وكتاب "الاختلاف والتكرار" عبارة عن كتاب فى المنهج الجديد. وهو لا يقدم تصورا جديدا للعالم ولاخلاصة لمجمل المعارف القائمة والمتداولة حاليا. أنه المنهج الجديد لما بعد الحداثة، ابستمولوجيا جديدة تستجيب لأوضاع المعارف الراهنة، يهدف إلى خلق جسور وصل بين حقول معرفية منعزلة (34).

وسوف نعرض فى أربع فقرات أفكار كانط كما جاءت عند دولوز فى كتاب "الاختلاف والتكرار"، والعلاقة بين كانط ونيتشه كما يراها دولوز فى "نيتشه والفلسفة"، وكتاب دولوز عن "فلسفة كانط النقدية"، ثم مقارنته بين كانط وميشيل فوكو تمهيدا للقسم التالى من البحث عن فوكو وكانط.

1- يعد "الاختلاف والتكرار" أول كتاب ضخم من تأليف دولوز، وهو ليس فقط تتويجا لمساره التعليمى فى تلك السنوات التى خصصها لتدريس الفلسفة، أنه عمل يدشن فلسفة جديدة، هى فلسفة الاختلاف، ويعتبر مرحلة حاسمة فى مسار دولوز وهمزة الوصل بين الأعمال التى سبقت والأعمال التى ستتلوها، كما يوضح فيليب مانغ. إن الحدس الذى أرتكز عليه، هو القول بإن الكائن تعدد واختلاف وتنوع بحيث يمكن القول أن فلسفة دولوز هى قبل كل شىء فلسفة "الاختلاف". ينتقد دولوز التمثل La Representation فالتمثل ليس قادرا على استيعاب المختلف ؛ لأنه يعمل وفقا لأليات ذهنية مبنية على ضرورة مبدأ الهوية، وتاريخ الفلسفة كله محكوم بهذا الخطأ أو تاريخ هذا الخطأ، ويمكن القول أن الموضوع الحقيقى لكتاب "الاختلاف والتكرار" يتمحور حول الإطاحة بآلية التمثل (35) ليس ثمة تكرار حقيقى عند دولوز إلا وهو فى خدمة التمايز، أو فى صالح "الاختلاف" يفلت به من حيز التكرار. لابد من القول بأن ثمة "اختلافات" تخرج عن حيز عملية التمثل التى لا ترى إلا الموضوع - وهى اختلافات كما يرى مانغ تفلت من شمولية المفهوم - اختلافات متجددة فى صلب الواحد.

ولو تابعنا تلخيص فيليب مانغ لعمل دولوز لوجدنا الفيلسوف يذكر فى بداية كتابه حالات التكرار الحقيقى التى تنتسب إلى ميادين متعددة: الفيزياء والأخلاق والآداب والتاريخ. يهمنا منها ما يذكره فى مجال القانون الأخلاقى، حيث يرى أن كانط (إذا صرفنا النظر عن التكرار الذى يحدث فى الطبيعة) لا يحصرنا فى حيز جديد من الشمولية والعمومية والمماثلة بل يقترح مقياس الخير ومقياس الواجب، أى هو يقترح موضوعا يظل التشريع الأخلاقى يردد أنموذجه (36).

يتناول دولوز فى الفصل الثانى من كتابه ما يسميه الخلاصة التأليفية الزمانية، ويشير فى الخلاصة الأولى للزمن (الحاضر الحى، والعادة) إلى مفارقة تقول بعدم وجود التكرار دون أن يصاحب ذلك أى نوع من الذاتية، ويعرض لإطروحة هيوم عن العادة حيث يربط الخيال بين الحالات المتعاقبة، ويسمى ذلك الخلاصة التأليفية السالبة. وينتقد كانط فى هذا السياق حيث يرد كانط عملية التأليف Synthese إلى طاقة إيجابية فاعلة. فهذه الخلاصة تنبع داخل الفكر الذى يسبق كل عملية تذكر وكل عملية تحليل (37). ولأنه كما يرى فى الخلاصة التأليفية الثالثة أن شكل الزمن لابد أن يكون فى ثنايا الفكر، لذلك فهو كائن فى قلب الخلاصة التأليفية الفاعلة التى تقدم نفسها على أنها معطى أولى ضمن مسار الكوجيتو (أنا أفكر) ولما هى هكذا؟، هنا يسجل دولوز الإضافة التى حققها كانط خلال نقده الكوجيتو الديكارتى. (38).

وتسرى أفكار كانط فى سياق "الاختلاف والتكرار" تدعيما لرأى أو تأييدا لفكرة أو نقدا لأخرى. فهو يرى أن ميزة كانط تكمن فى أنه ساوى بين ما هو "فكرة" وما هو "أشكالى" فعن طريق الإشكالى تتموضع الفكرة، إلا أن الفكرة عند كانط انحصرت فى مجال عمومية المفهوم. وفى حديثه عن مشكلة نشأة الأفكار وأصلها ومشكلة واقعيتها وتجسدها فى حيز الفعل. يرى فيما جاء تحت عنوان "من أين تأتى الأفكار؟" إن كانط قد حدد نشوء الأفكار الإشكالية فأتخذ من العقل تلك الملكة المتميزة موضوعا لها. غير أن دولوز يعترض على ذلك مبينا أن الفكر من الملكات جميعا. فالفكرة الإشكالى هو نوع من القضية الضرورية Apodictiqe التى تتضمن حتميتها فى ذاتها (39).

2- ويتناول دولوز كانط فى أربعة مواضع من كتابه "نيتشه والفلسفة". نجد ذلك فى نهاية الفقرة السادسة من الفصل الثانى ، حيث يبين موقف نيتشه حيال كانط فى الفقرات: الثامنة والتاسعة والعاشرة من الفصل الثالث عن النقد. هى على التوالى نيتشه وكانط من وجهة نظر المبادئ، تحقيق النقد، نيتشه وكانط من وجهة نظر النتائج.

لا يوجد لدى نيتشه فيما يرى دولوز نسب كانطى بل هنالك خصومة نصف معلنة ونصف مخفية بسبب قصور نقده.. لقد وجد نيتشه فى العود الإبدى وإرادة القوة تغيرا جذريا للكانطية وإعادة اختراع للنقد الذى خانه كانط فى الوقت ذاته الذى تصوره فيه أستئنافا للمشروع النقدى على أسس جديدة ومع مفاهيم جديدة (40) ويبين فى حديثه عن مخطط جينالوجيا الأخلاق ميل نيتشه إلى الإشارة إلى نقض تصور كانط للتعارضات Antinomies ، ويبين نيتشه أن كانط لم يفهم ينبوعها ولا امتدادها الحقيقى حيث مصدر التعارض هو الإحساس بالخطأ (كما يقول فى القسم الثانى من الجينالوجيا) وهو يعبر عن نفسه كتعارض بين الأخلاق والحياة (إرادة القوة، القسم الأول 305).

لقد أراد نيتشه فى الجينالوجيا إعادة كتابة نقد العقل الخالص، فهو يقدر - كما يقول دولوز - أن الفكرة النقدية تتحد مع الفلسفة ، لكن كانط أخطأ بالضبط هذه الفكرة وأفسدها ليس فقط فى التطبيق بل من المبدأ. ويرى أن أمر نيتشه بالنسبة لكانط كأمر ماركس بالنسبة لهيجل ، يتعلق بالنسبة لنيتشه بمادة وضع النقد على قدميه (41).

لم يفعل كانط سوى أن دفع إلى الحد الأقصى تصورا قديما جدا للنقد كقوة يجب أن تتناول كل الطموحات إلى المعرفة والحقيقة ، ولكن ليس بحد ذاتها ، أنه ليست هنالك أوهام معرفة بل أن المعرفة هى بالذات وهم: المعرفة خطأ، لا بل هى أسوأ من ذلك أنها تزوير" (42).

إن عبقرية كانط فى "نقد العقل الخالص" فى كونه تصور نقدا محايثا Immanete نقدا للعقل بواسطة العقل ليس بواسطة الشعور أو بواسطة التجربة أو أى هيئة خارجية أيا كانت ، ولم يكن المنتقد هو الآخر خارج العقل، ويرى أن هذا هو التناقض الكانطى، أن يجعل من العقل المحكمة والمتهم فى الوقت ذاته. لقد كانت تنقص كانط طريقة تتيح الحكم على العقل من الداخل من دون أن يعهد إليه بمهمة أن يكون قاضيا لذاته، والنتيجة أن كانط لا يحقق نقده الداخلى.. أن الفلسفة الترنسندتنالية تكتشف شروطا تبقى خارجية بالنسبة للشروط والمبادئ الصورية ، هى مبادئ شرط، لا مبادئ أصل تكوينى داخلى، فالمطلوب على طريقة نيتشه ودولوز أصلا تكوينيا للعقل، واصلا تكوينيا للإدراك ومقولاته. ويرى دولوز أننا نجد عند نيتشه محل المبادئ الصورية الجينالوجيا. وأن إدراك القوة كمبدأ قادر على تحقيق النقد الداخلى (43).

ويلخص دولوز التعارض بين التصور النيتشوى والتصور الكانطى للنقد فى عدة نقاط أهمها: أنه ليس العقل المشرع الكانطى بل عالم الجينالوجيا هو المشرع الحقيقى. أن هدف النقد ليس غايات الإنسان أو العقل بل الإنسان الاسمى الإنسان المتجاوز، فالأمر لا يتعلق بالتبرير بل بالشعور، صورة مختلفة، حساسية أخرى (44). وأهتمام دولوز بتعريف ووظيفة الملكات يشغله فى كتابه "فلسفة كانط النقدية" موضوع الفقرة القادمة.

وتظهر أهمية كانط بالنسبة لدولوز فى تخصيصه كتاب حول "فلسفة كانط النقدية" يظهر فيه تطور النقد من العقل النظرى إلى العملى حتى يكتمل فى ملكة الحكم، فالعمل يتكون من مدخل وخاتمة وفصول ثلاثة (45). فهو يبدأ فى المدخل بتعريف العقل عند كانط ويذكر تحديده للفلسفة على أنها "علم العلاقة بين كل المعارف والغايات الأساسية للعقل البشرى" للتأكيد على الغائية عند كانط، مقارنة بين مكانته فى فلسفته من جانب، وفى التجريبية والعقلانية الدوجماطيقية من جانب فالتجريبيين يرون الغائية فى الطبيعة وكانط يرجعها للعقل والعقلانية السابقة عليه تقر بالغايات لكن كشىء خارجى وأعلى يجعل العقل ينشد وجود، وخير مطلق بينما يرى كانط مقابل هؤلاء أن الغايات موجودة فى العقل.

وينتقل بعد ذلك للحديث عن الملكات محددا معنيين للملكة Faculte ، فهى بالمعنى الأول: كل تصور فى علاقة مع شىء آخر، فهناك علاقة وفاق وتطابق، ملكة المعرفة، وصلة السببية، وملكة الرغبة. ويتناول ملكة المعرفة العليا حيث يعرض للعلاقة بين الملكات وهل لها ترتيب أدنى وأعلى. ليبين أن نقد العقل النظرى تأمل فى الملكة العليا للمعرفة بينما يختص نقد العقل العلمى بالملكة العليا للرغبة، ويعنى نقد الحكم بالملكة العليا للخيال. والمعنى الثانى للملكة أن تكون مصدر نوعى للتصورات يقول: "تحيل الملكة فى المعنى الأول إلى العلاقات المتنوعة للتصور على وجه العموم، فى المعنى الثانى على مصدر نوعى خاص للتصورات" (46). وهى فى هذا المعنى الثانى تتعدد التصورات، ويذكر ثلاثة أنواع للملكات بهذا المعنى وهى: الخيال والذهن والعقل، ويطرح مسألة العلاقة بين المعنيين فى نهاية مدخله ليصل إلى حلها فى نهاية عمله. ويلاحظ أن ما شغله فى المدخل هو نفس ما شغله فى كتاب الاختلاف والتكرار.

ويتوقف فى الفصل الأول عند العلاقة بين الملكات فى النقد الأول (العقل النظرى الخالص) يحلل فى الفقرة الأولى العلاقة بين "القبلى" و"الترانسندنتالى"، حيث يشير القبلى إلى تصورات تنشأ من التجربة أما الترانسندنتالى فهو المبدأ الذى تخضع بمقتضاه التجربة لتصوراتنا الأولية. ثم يعرض لمفهوم الثورة الكوبرنيقية عند كانط التى يخضع فيها الموضوع للذات، ويتوقف عند دور الملكات الثلاث فى عملية المعرفة. ويحذر من تداخل عمل ملكة من الملكات فى وظيفة أخرى.

ويدور الفصل الثانى على العلاقة بين الملكات فى "نقد العقل العملى" ويخصص الفقرة الأولى للعقل المشرع حيث هو المسئول عن التشريع الكلى الذى يتفق والقانون الأخلاقى الضرورى ويقارن فى ختام الفصل بين العقلين النظرى والعملى على مستوى توجه الاهتمام فى كل منهما، موضحا اختلافهما فمجال العقل النظرى الظواهر بينما يدور العقل العملى على الأشياء فى ذاتها.

ويبدأ الفصل الثالث والأخير - عن العلاقة بين الملكات فى نقد ملكة الحكم" - بسؤال، هو هل هناك شكل اسمى للعاطفة، بمعنى هل لدينا تصورات تحدد قبليا حالات اللذة والألم؟ (47) والإجابة أن هذه الحالات لا تعرف إلا بالتجربة والملكة العليا للعاطفة (الشعور) مصدر الشروط الذاتية لنشاط الملكات الأخرى. ويمكن رصد الشكل الأعلى للشعور فى الحكم بالجمال حيث تنسجم المخيلة مع ملكة الفهم ويتفاعلا عضويا ويتداخل العقل فى الحكم بالجمال حيث تنسجم المخيلة مع ملكة الفهم ويتفاعلا عضويا ويتداخل العقل فى الحكم بالجليل Sublime ، فالجليل (السامى) يؤدى إلى علاقة من نوع خاص بين العقل والمخيلة. ويفيض دولوز فى بيان موقف كانط من ملكة الحكم، والطبيعة والفن على مستوى الغائية. فالاستطيقا غائية ولكن لا تهدف إلى أية غاية محددة بل أنها تمهد للغائية فى الطبيعة (48). وبعد تحليل كتب النقد الثلاثة، يخصص دولوز الخاتمة للحديث عن غايات العقل، متناولا على التوالى، مذهب الملكات، مذهب الغايات، التاريخ والتحقق. يرى فى الفقرة الأولى (مذهب الملكات) أن الكتب النقدية الثلاثة تقدم نظاما حقيقيا للتبادل فنقد العقل النظرى ونقد العقل العملى يعرضان علاقات الملكات. ثم يعيد فى الفقرة الثانية أهم ما ذكره بالنسبة للغائية، ويتساءل فى الفقرة الثالثة كيف يمكن للإنسان الذى لا يمثل هدفا نهائيا إلا فى وجوده فوق المحسوس، أن يكون غاية نهائية للطبيعة الحسية؟ والإجابة أن الحرية هى الوسيلة لتحقيق ذلك. وهذا ما سيتناوله فوكو فى تحليله لنصوص كانط ما التنوير؟ ما الثورة؟ كما سيمر بنا فى القسم التالى.

ومن الواضح أن الغاية من تحليلات دولوز هى بيان كيفية وصول كانط للنقد وغايته نقد الحكم، والدليل على ذلك القضايا التى طرحها دولوز فى بداية كتابه وفى سياقه وحتى الخاتمة هى قضايا الغائية والعلاقة بين الملكات (49).

لقد كان موضوع دولوز الرئيسى أن يوضح بعض المشكلات التى تنشأ بسبب أن كانط يجهد نفسه ليحكم دعاوى الملكات العقلية المتنافسة التى تمثل مشهدا متخيلا لقاعة محكمة،قاعة محكمة تعمل - وفقا لدولوز - على طريقة منصب رئيس جلسة دائرى معين لكى يمنع أى صوت سلطة مفرد (مضيع للحرية) من ممارسة قوة مطلقة، وبالتالى يحول دون تقويض تشاركية الخطاب الحر والعادل قبل أى قانون. وهكذا نفهم الصرح المفاهيمى الكامل فى النقد الكانطى - إبستمولوجياه وأخلاقياته على السواء - بوصفه نسخة عاكسة لـ "برلمان" ملكات عقلية ديمقراطى ليبرالى، يشيد لضمان سيادة العقل.

ويطور دريدا - الذى سنخصص لاهتمامه بكانط فقرة قادمة - هذا الفكرة، على نحو واضح تماما فى نصوصه الحديثة عن سياسات المعرفة (50) المهم فى هذه النصوص هو إصرارها على أن هذه الأسئلة لا تزال موضع تفكير فيما يتعلق بتأثيراتها الاجتماعية والايديولوجية فى اليوم الحاضر. مثلما الحال مع دولوز عندما ألف كتابه عن كانط. وحتى يكون دولوز مقنعا فقد عرض تعليقا كانطيا بخصوص المشكلات والتناقضات الموجودة فى عملية تأسيس برلمان معرفة. إلا أنه فى كتاباته الأخيرة (وعلى الأخص أوديب مضادا) يتخاصم تماما مع نماذج العقل التنويرى. ويتبنى أسلوب الخطاب ما بعد البنيوى (51). أنه باختصار يتخلى عن النقد الداخلى للمفاهيم والمقولات الكنطية من أجل لغة تحتفى بانبثاقها فى عصر يفهم فيه العقل نفسه بوصفه قوة كبت اجتماعى. ومثل فوكو يساوى دولوز المعرفة بالقوة ويرفض أى نوع من النقد الفلسفى الذى يستقى أصله من وجهة نظر العقل التنويرى (52).

3- تناول دولوز كانط فى كتابه "المعرفة والسلطة" فى تحليله لأركيولوجيا فوكو المعرفية تحت عنوان "الأبنية أو التشكيلات التاريخية" (ما يرى وما يعبر عنه). وهو يرى أن الكلام والرؤية أن العبارات والرؤى عناصر خالصة وشروط قبلية ضمنها تجد كل الأفكار صيغتها فى لحظة معينة، كما تتكشف السير وألوان السلوك. ويشكل هذا البحث عن الشروط نوعا من الكانطية الخاصة بفوكو" (53).

ويقارن دولوز بين كانط وفوكو موضحا التمايزات بينهما. فالشروط بالنسبة لفوكو شروط التجربة الواقعية، وليست شروط إمكان (فالعبارة عنده تفترض متنا معينا) توجد بجانب الموضوع، وفى جانب التشكيلية التاريخية، وليس فى جانب ذات كلية (القبلى - عنده - تاريخى) وسواء كان هذا أو ذاك نحن أمام أشكال خارجية برانية. ويدلل على كانطية فوكو بالقول أن الرؤى تشكل مع شروطها قابلية تلقى وتأثر... وهو نفس ما نجده فى الفكر الكانطى حيث أن عفوية الأنا تمارس ذاتها على كائنات متلقية تتمثلها (أى تتمثل تلك العفوية) بالضرورة كأخر، أما لدى فوكو، فإن عفوية الفهم أو الكوجيتو تنسحب تاركة المجال للرؤية (باعتبارها) شكل جديد للمكان - الزمان (54).

يرى دولوز أن كانط نقل الثنائية الديكارتية، الفكر والامتداد إلى ثنائية بين ملكتى الحساسية والفهم. وهذا يعنى أن كانط لم يبحث عن تطابق بين الذات والموضوع، بل بحث - كما رأينا - فى ملكات الذهن بوصفها منظومة علاقات متفتحة هى محصلة نشاط عملى للإنسان يتغيا الحرية والجمال. إن حل الإشكالية التى تثيرها الثنائية بين الحساسية والفهم أو قل التجربة والعقل أو على الأقل زحزحتها تتم عند فوكو، وذلك نحو ثنائية مغايرة ليست بين ملكتين معرفتين لكن وفق لتعبير دولوز بين نمطى وجود هما: العبارة والرؤية. فإذا كانت أصالة كانط تتمثل فى زحزحة إشكالية ديكارت من المستوى السيكولوجى (تمثل الذات لذاتها) إلى مستواها الابستمولوجى والبحث عن شروط الإمكان فوجه الجدة عند فوكو هو تحويل الثنائية الكانطية من المستوى الابستمولوجى إلى المستوى الانطولوجى، بحيث يتركز الاهتمام على الكينونة لا على الحقيقة، على الإنسان لا على الطبيعة (55) معنى هذا أن شروط الإمكان ترجع عند كانط إلى الذهن المستقل عن التجربة فى حين أنها لدى فوكو فى "الكلمات والأشياء" مصدرها التجربة ذاتها، وهى ذات طابع تاريخى، أى أن القبلى فى نظر فوكو ذو طابع تاريخى. بالإضافة إلى أن الحقيقة القبلية لا تشكل عند فوكو هوية جاهزة سابقة على ممارستها،ولا تشكل بذاتها مصدرا ليقين معرفى. وإنما هى ذات طابع ملتبس ومتناقض، هى موضع أو حيز للممارسة تنتج وتنتج. ومعنى كونها تنتج فيما يبين على حرب توضيحا لدولوز أن ثمة ما يؤسسها فى الأبنية والتشكيلات التاريخية التى هى بمثابة قبليات تسبق قبليات العقل الخالص (56).

وبيانا للاختلافات بين كانط وفوكو يشير البعض، إلى أننا لسنا بإزاء محاولته لاستبدال المتعال الذاتى بمتعال تاريخى أو تجريبى أو أى متعال أخر كما يظن، وإنما الأمر يتعلق بطريقة جديدة فى التفكير. فإذا كان كانط قد جعل الأشياء تدور حول العقل بدلا من أن يدور العقل عليها، فإن لدى فوكو لا يدور شىء على شىء، بل ثمة أشياء يتم تداولها عبر رؤيتها والكلام عليها دون الإحالة إلى ذات مرجعية أو مرجعية ثابتة (57). ويقول: "كان للانثربولوجيا دوراً أساسى فى الفكر الحديث ومازلنا إلى حد بعيد غير متخلين عنها فقد أصبحت ضرورية منذ أن فقد التمثل قدرته على تحديد لعبة تركيباته وتحللاته بمفرده كان ينبغى أن تتوافر التركيب التجريبى خارج سيادة (الأنا افكر).. هذا ما سبق لكانط أن بحث عنه فى المنطق عندما أضاف إلى الأسئلة الثلاثة التقليدية تساؤلا أخيرا: فإذا كانت الأسئلة الثلاثة ماذا باستطاعتى أن أعرف؟ ماذا يتوجب على أن أعمل؟ ماذا يمكننى أن أفعل؟ مرتبط بسؤال رابع ما هو الإنسان West ist der men? 280  وإذا كان كانط قد أيقظ فى نقده الفكر من سباته العقائدى فإن نقده ينهض على سبات أخر هو السبات الأنثربولوجى الذى سعى فوكو كما يخبرنا فى الكلمات والأشياء إلى إيقاظ الفكر منه.

وإذا كان تناول دولوز للفلسفة الكانطية سواء فى "الاختلاف والتكرار" أو "نيتشه والفلسفة" أو فى كتابه عن "كانط والفلسفة النقدية" يهتم أساسا بالنقد ويتوفر على النقد فى ملكة الحكم فهو نفس ما يقوم به فى تحليله للعلاقة بين فوكو وكانط. وإن كان لم يتوقف طويلا كما سنلاحظ عند ما كتبه فوكو فيما بعد عن كانط والثورة فإن هذا يجعلنا نتوقف عند كانطى معاصر هو ميشيل فوكو الذى أعلن "نحن جميعا كانطيون (58). والذى يتابعه فى التأكيد على كانطيته عدد من الباحثين فى أفكاره (59).

ثانياً : فوكو وسؤال كانط حول التنوير :

شغل فوكو منذ تخرجه بفلسفة كانط وكانت رسالته التكميلية للدكتوراه التي أعدها تحت إشراف هيبوليت حول كانط ، دراسة وترجمة لمبحث الأنثربولوجيا وقد نشر ترجمته فيما بعد في دار فران Vrin . ويمكن القول أن مشروع فوكو الفلسفى يهدف إلى نقد الحداثة الغربية التى تأسست بعد الثورة الفرنسية، كما هدف إلى نقد فلسفة التنوير التى ادت إلى أشعال الثورة الفرنسية ومهدت لها الطريق.. لكنه لا يكتفى بأدانة الجوانب السلبية للحداثة الغربية، وأنما يلجأ إلى التحليل التاريخى الاركيولوجى لكى يبين الكيفية التى انبنت عليها هذه الحضارة وبالتالى يسهل عليه النقد والتغير والتعديل (60).

يعلن فوكو انتمائه للنقد الكانطى، ويستخدم اصطلاحات كانط، كما فى الفقرة الرابعة من الفصل التاسع من كتابه "الكلمات والأشياء" مثل: التجريبى والترنسندتنالى، والسبات الانثربولوجى موضحا أن البحث عن طبيعة تاريخ المعرفة حين يسعى إلى مطابقة البعد الذاتى للنقد ، على مضامين تجريبية، يستلزم استخدام نوع من النقد (61) لقد أسس كانط فيما يرى فوكو الركنين الاساسيين للتراث النقدى اللذين تقاسما الفلسفة الحديثة. أنه وضع فى عمله النقدى دعائم هذا التراث الفلسفى الذى يطرح السؤال حول الشروط التى تجعل المعرفة الحقة ممكنة، ويؤكد أن جانبا من الفلسفة الحديثة قد تولد وتطور من كانط فى شكل تحليل للحقيقة.

يرى فوكو أنه يوجد فى الفلسفة الحديثة / المعاصرة سؤال جديد، من نمط أخر على صيغة أخرى من الاستفهام ، وهى التى تولدت تحديدا فى السؤال عن عصر التنوير، وفى النص حول الثورة، وهذا التراث النقدى الجديد يطرح السؤال: ما هى انيتنا؟ وما هو المجال الحالى للتجارب الممكنة؟ الأمر لا يتعلق بتحليله الحقيقة، بل بما يسميه فوكو انطولوجيا الحاضر. انطولوجيتنا نحن، وعلى هذا نحن أمام اختيارين - فيما يقول - الأول: أن نختار فلسفة نقدية تأتى إلينا على أنها فلسفة تحليلية تتناول الحقيقة بصفة عامة، وأما أن نفضل فكرا نقديا يأخذ شكل انطولوجيا "نحن ذاتنا" أى أنطولوجيا الانية. وقد أسس هذا الصنف من الفلسفة (الاختيار الثانى) بدأ من هيجل إلى مدرسة فرانكفورت مرورا بنيتشه وماكس فيبر شكلا من التفكير حاولت أن أعمل داخله (62).

تحدث فوكو عام 1983 فى الكوليج دى فرانس - ريما لأول مرة عن موضوع يتعلق بموقف الفيلسوف من أحداث عصره، أو مجريات الحياة السياسية وقد ركز اهتمامه على موقف أيمانويل كانط من هذه المسألة بشكل خاص، وحلل نصه الصعب والغامض ما هو التنوير؟ وهو يعتبره أول نص فى تاريخ الفلسفة يطرح مشكلة الساعة ويعتبر الحاضر جديرا بالتأمل الفلسفى، بتفكير الفيلسوف (63) يرى فوكو فى نص كانط عن عصر التنوير نوع أخر من الأسئلة فى مجال التفكير الفلسفى حيث يطرح النص مسألة الغائية الكامنة فى سياق التاريخ ، فالمسألة المطروحة لأول مرة هى مسألة الحاضر، أى السؤال عن الانية: ما الذى يحدث اليوم؟ وماذا يحدث الأن؟ وما هو الأن الذى نوجد نحن وغيرنا فيه؟ أن السؤال الذى الزم كانط الإجابة يتعلق بهوية هذا الحاضر. وقبل كل شىء بتحديد عنصر معين من الحاضر لابد من التعرف عليه وتميزه بين العناصر الأخرى، حتى يصبح السؤال: ما الذى يشكل فى الحاضر الأن، المعنى، تفكير فلسفى ما؟ أن الجواب الذى يحاول أن يقدمه كانط - فيما يبين فوكو - يعمد إلى بيان الميزة التى يحملها هذا العنصر، والتى تجعل منه المؤشر لسياق يضم الفكر والمعرفة والفلسفة. يقول: "أننا نلمح فى نص كانط مسألة الحاضر كحدث فلسفى ينتمى إليه الفيلسوف الذى يتحدث عنه، فنحن نشاهد فى نص التنوير - لأول مرة - الفلسفة تعمل على صياغة أشكالية لانيتها النظرية، فهى تستنطق هذه الانية كحدث لابد من الافصاح عن معناه وعن قيمته وعن تفرده الفلسفى" (64). ومن هنا يرى فرانسوا اوالد فى دراسته بالمجلة الأدبية الفرنسية (الماجازين ليترير) "نهاية عالم" فى العدد المخصص لفوكو 207 مايو 1984 أن عمل فوكو هو تطبيق للشعار الذى أطلقه كانط على عصر التنوير "لتكن لديك الشجاعة فى استخدام عقلك بنفسك" (65) هذا يعنى أننا نرى مع نص كانط ظهور صيغة جديدة فى طرح مسألة الحداثة. حيث نشهد فى مسألة عصر التنوير وفق فوكو أولى المظاهر لمولد طريقة معينة فى تعاطى الفلسفة، لأن من أهم وظائف الفلسفة الحديثة تساؤلها عن أنيتها (66).

يتتبع فوكو بمنهجه الجينالوجى مسألة الحداثة، ويشدد على أن كانط لم ينس فيما بعد المسألة المتعلقة بالتنوير، التى عالجها 1784 حين أجاب عن سؤال طرح عليه من الخارج، فهو يعيد محاولة الإجابة عليه ضمن ما يقوله عن حدث لم ينفك يتساءل عن ذاته، يعنى الثورة الفرنسية، ففى سنة 1897 سيعطى كانط إجابة ما يمكن أن نعتبره تتمة لنص 1784 سيجيب عن سؤال أخر طرحته عليه الأحداث هذا السؤال هو "ما هى الثورة"؟ (67). ويشير فوكو وفق جينالوجيته إلى كتاب "نزاع الكليات" وهو مجموعة رسائل حول العلاقة القائمة بين مختلف الكليات المكونة للجامعة، خاصة الرسالة الثانية المتعلقة بالنزاع بين كليتى الفلسفة والحقوق، وقد حكم مجال العلاقات بين الفلسفة والحقوق آنذاك سؤال هل هناك تقدم مستمر للجنس البشرى؟" ولكى يجب كانط على هذا السؤال عمد فى الفقرة الخامسة من هذه الرسالة إلى أثبات الاستدلال التالى: "إذا نحن أردنا الإجابة على السؤال" وجب علينا أن نحدد ما إذا وجدت علة ممكنة لهذا التقدم. فإذا نحن سلمنا بهذه الإمكانية وجب علينا أن نقيم الدليل أن هذه العلة فعالة فى واقع الأمر.

ويرى أن تحديد العلة لا يسمح إلا بتحديد جملة من النتائج الممكنة، لا يسمح إلا بتصور إمكانية النتيجة. لكن واقع النتيجة لا يمكن أن يتأسس ألا بوجود الحدث. يقول: هنا يصبح السؤال "هل يوجد حولنا حدث يمكن استحضاره بالذاكرة، والإشارة إليه استدلالا، والتوقع بحدوثه، يشير إلى تقدم مستمر يحمل الجنس البشرى كله؟ من الواضح أن الحدث المقصود هنا هو الثورة، إلا أن الثورة فى حد ذاتها كعملية قلب يمكن لها أن تنجح أو تفشل، وهى لا تعتبر مؤشر يدل على وجود علة قادرة على تمرير تقدم متواصل للبشرية خلال التاريخ. وعند كانط الذى يشكل مؤشر التقدم، هو ما يواكب الثورة من تعاطف يلامس الحماسة. المهم فى الثورة ليس (حدث) الثورة ذاته، بل ما يدور فى أذهان من لا يقومون بها أو، على الاقل ، من ليسوا بالقائمين الرئيسين بها . المهم هو العلاقة بين هؤلاء وهذه الثورة ،  الذين ليسوا من أعضائها الفاعلين. فالحماس للثورة بحسب كانط، هو المؤشر لتأهب يظهر بصفة مستمرة فى مظهرين: أولا فى حق كل الشعوب فى أن تهب نفسها الدستور السياسى الذى ترتضيه، ثم ثانيا: فى المبدأ الذى يتفق مع الأخلاق والحق بأن تتمتع الإنسانية بدستور سياسى شامل يجنب من وجهة نظر هذه المبادئ ذاتها كل حرب هجومية (68).

إن الدستور السياسى الذى اختاره الشعب بمحض إرادته والدستور الشامل الذى يجنب الحرب، هو مسار عصر التنوير، كما يرى كانط، أى أن الثورة هى بالفعل (وفى الوقت نفسه) التتويج والتواصل لعصر التنوير، وفى هذا الإطار يصبح عصر التنوير والثورة من الأحداث التى لا يمكن نسيانها. دعونا نتوقف أمام فقرة يستشهد بها فوكو.

كتب كانط يقول "أؤكد أنى استطيع التنبؤ للجنس البشرى، بل من خلال الظواهر وما استشفه من علاقات فى عصرنا - بأن (الجنس البشرى) سوف يصل إلى هذه الغاية، أى أنه سيبلغ حالة تجعل الناس قادرين على تبنى الدستور الذى يريدون والدستور الذى يجنب الحرب الهجومية، بحيث تصبح هذه المكاسب فى مأمن من كل مناقضة، وظاهرة كهذه لا يمكن أن تنسى فى تاريخ الإنسانية لأنها تبرز فى الطبيعة الإنسانية تأهبا وملكة فى الاقبال على التقدم لا يمكن لأى سياسة مهما بلغت من قوة الدهاء أن تنتزعها من مجرى الأحداث السابق. فالطبيعة والحرية، إن اجتمعا فى فكر الإنسان بحسب مبادئ الحق الكامنة فيه يصبحان وحدهما القادرين على تقرير هذا الأمر حتى وإن لم يكن ذلك إلا فى صيغة غير محددة، وكحدث عارض. ولكن وإذا لم يكن الهدف المطلوب من وراء هذا الحدث قد تم الوصول إليه، أى حتى وأن فشلت فيما بعد الثورة أو الإصلاح الذى شمل دستور الشعب، وإذا سقط كل شىء - بعد فترة قصيرة من الزمن - فى الأخدود السابق، كما تنبأ بذلك بعض السياسيين، فأن تنبؤنا الفلسفى لن يفقد شيئا من قوته، إذ أن هذا الحديث هو من الأهمية وعلى درجة من الإرتباط بمصالح البشرية، ومن تأثير واسع على كل أجزاء العالم مما يجعله يعود، وجوبا، إلى ذاكرة الشعب حالما تعود الظروف الملائمة، ويستحضر عند تجدد الأزمة ضمن محاولات متجددة من هذا الصنف، لأن قضية بهذه الأهمية بالنسبة للنوع البشرى سوف تمكن الدستور المنتظر أن يبلغ فى وقت ما تلك الصلابة التى تؤسسها دروس التجارب المتكررة فى الأذهان" (69).

ويبين فوكو بعد تحليله، أننا مع نصى كانط نقف على موضع الأصل وعلى نقطه بداية سلسلة من الاسئلة الفلسفية، فهذين السؤالين: ما هو عصر التنوير؟ وما هى الثورة؟ شكلان لسؤال كانط حول انيته ذاتها. وهما السؤلان اللذان لم ينفكا يترددان على جزء كبير من فلسفة القرن التاسع عشر، أن لم يكن على كل الفلسفة الحديثة. وما نريد التأكيد عليه، وهو الهام فى نظر فوكو، والذى شغله بهذين النصين هو أن عصر التنوير كحدث متفرد دشن الحداثة الأوربية وكسياق مستمر يبرز فى تاريخ العقل وضمن أشكال العقلانية والتقنية وفى عملية تأسيسها ضمن استقلالية المعرفة وسلطتها. أن عصر لتنوير - فيما يرى لا يبقى أذن مجرد مرحلة فى تاريخ الأفكار بل مسألة فلسفية مدونة فى فكرنا منذ القرن الثامن عشر (70) والوجه الثانى للآنية الذى وجه كانط، الثورة كحدث، ثم أيضا كقطيعة وكتحول فى التاريخ. ويرى فوكو أن على السؤال أن يتجه نحو معرفة ما يجب أن نفعله بهذه الإرادة فى الثورة، وبهذه "الحماسة للثورة التى تختلف عن العملية الثورية نفسها، فالسؤال الآن "ما هو عصر التنوير؟ وماذا نفعل بإرادة الثورة؟" يحددان كلاهما فى نظر فوكو مجال التساؤل الفلسفى عن هوية وجودنا فى الانية التى نعيشها.

ويمكن القول أن سبب من أهم أسباب توقف فوكو أمام عمل كانط عن التنوير هو أن كانط يمتد بالنقد إلى السلطة ويتناول تلك الإشكالية التى شغل بها فوكو نفسه وهى المعرفة والسلطة. ويتضح هذا بجلاء لدى كانط فى قوله "إن التنوير خروج الإنسان من حالة القصور التى يبقى هو المسئول عن وجوده فيها. والقصور هو حالة العجز عن استخدام الفكر عند الإنسان خارج قيادة الآخرين. والإنسان القاصر مسئول عن قصوره، لأن العلة فى ذلك ليست فى غياب الفكر وإنما فى إنعدام القدرة على إتخاذ القرار وفقدان الشجاعة على ممارسته، دون قيادة الأخرين، لتكن لك تلك الشجاعة على استخدام فكرك بنفسك: ذلك هو شعار عصر التنوير (71).

ويرجع كانط سبب حالة القصور إلى السلطة التى تقابل العقل والحرية والتنوير التى تمارس على الافراد يقول: "إن الأغلبية الكبيرة من الناس تعتبر تلك الخطوة نحو الرشد عظيمة الخطر فضلا عن أنها أمر مرهق. يساعدهم على القبول بحالة القصور هذه أولئك الذين ألوا على أنفسهم ممارسة سلطة لا تطال على الأنسانية.. أما بالنسبة للتنوير فلا شىء مطلوب غير الحرية بمعناها الأكثر براءة، أى تلك التى تقبل على استخدام علنى للعقل فى كل الميادين يقول: "فى كل مكان يوجد تحديد للحرية، ولكن أى تحديد يناقض التنوير؟ وما هو التحديد الذى لا يناقضه بل والذى يمكن أن يكون لصالحه؟ أجيب فأقول أن الاستخدام العام لعقلنا لابد أن يكون حرا فى جميع الحالات، وهو الذى يستطيع وحده أن يأتى بالتنوير إلى البشر" (72).

يتوقف فوكو كما رآينا أمام موقف كانط من تراث عصر التنوير ، وهو موقف ضرورى بالنسبة لنا فى النظر إلى التراث بشكل عام، تلك القضية التى تشغلنا، من عدة وجوه، حيث يرى كانط أنه لا يمكن لقرن ما أن يولد اتفاقا يفيد القرن الذى يليه يجعله غير قادر على توسيع معارفه ويحرمه التخلص من أخطائه، والتقدم عامة على طريق التنوير أنها لجريمة فى حق الإنسانية التى يحملها قدرها الأصيل نحو التقدم بالذات. لذا يحق للخلف أن يرفض تماما مثل هذه القوانين، وإن يحتج على ذلك. يتساءل كانط "هل نحن نعيش الآن قرنا مستنيرا؟" ويجيب لا، لأننا فى الواقع (نعيش) قرنا يسير نحو التنوير "فنحن لم نزل فى مرحلة تفتقر إلى عناصر كثيرة أخرى تحمل الناس إلى حالة تمكنهم من ممارسة تفكيرهم الخاص فى الأمور الدينية بأحكام وقدرة ودون نجدة الآخرين - يضيف - لكن إن يكون للناس الآن مجال أرحب فى ممارسة هذا (التفكير الخاص) بحرية، وأن يكون عدد العقبات أقل من ذى قبل نسبيا وفى الطريق نحو عصر شامل للتنوير يخرج بالناس من حالة القصور التى يبقون هم المسئولون عنها (73). وهو يؤكد أن اهتمامه حول عصر التنوير تركز على ذلك النوع من التنوير الذى يحرر الناس من حالة القصور التى يبقون هم المسئولون عليها.

أن مقالة كانط "ما التنوير؟" تتعرف على موضوعات على حافة من الخطر ولاسيما فى الطريق التى نتقاطع بها مشكلات الفلسفة ومشكلات الحداثة، وهو يتفق مع كانط فى أن الحداثة ينبغى أن تتسم بمنظور الموقف الذى يعتمد على التفاعل بين الاستخدام العام والخاص للعقل. وهذا عند فوكو مشكلة سياسية تكون فيها واجبات الذات ومسئوليتها عرضة للنقد. ويحدد النقد بأنه "الخلق الدائم لأنفسنا فى استقلالنا الذاتى" إن هدف الحداثة هو غرس التغير من الداخل ولذاته فى أن معا (74).

ويمكن القول أن هذا الدرس الفوكوى حول كانط وهو من أهم دروسه الأخيرة لا يعبر كما يقول جهاد كاظم عن فكر كانط وأحوال عصره فقط أنما يعبر أيضا عن فكر فوكو وفلسفته كما يعبر عن الأوضاع الفرنسية الحالية"، أن ميشيل فوكو قد جسد فى شخصيته هذين التيارين الفلسفيين الذى افتتحهما كانط؛ وبالتالى فقد جسد صورتين للفيلسوف: صورة الفيلسوف الذى يفكر فى المسائل المعرفية والنظرية الكبرى وفى مشكلة الحقيقة، وصورة الفيلسوف المنخرط فى أحداث عصره وقضاياه، فهو فى مشروعه المعرفى الأساسى قد حاول تجديد الابستمولوجيا الفرنسية من بعد جاستون باشلار وجورج كانغيلم وحاول تغيير مفاهيم تاريخ الأفكار وكيفية دراسة الماضى. ومن هنا كان وافيا لكانط ولغته الفلسفية كما يتضح فى كتابه "الكلمات والأشياء" و"اركيولوجيا المعرفة" هنا استطاع أن يقدم للعلوم الإنسانية الحديثة دليلها النظرى والمنهجى. أن تأثير كانط واضح فى هذين الكتابين ويستشهد بقول جان بياجيه عن فوكو بأنه كانط جاء لكى يوقظنا من سباتنا الدوجماطيقى الثانى (75).

ويناقش البعض العلاقة بين فوكو وكانط، وإلى أى مدى يصح اعتبار فوكو كانطيا نقديا. ويميل هؤلاء إلى التشكيك فى نقدية صاحب "الكلمات والأشياء" "وأركولوجيا المعرفة" وذلك بسبب الغائه للذات ونزعته اللإنسانية.

ويرى أحد الباحثين إن بلاغة فوكو الضد إنسانية تتوافق مع موضوعه المعلن عن اكتشاف حقل معرفى منطقى جديد، وهو حقل يجعله قادرا على اتخاذ موقف خارج وضد مزاعم الحقيقة المسيطرة التى ينطوى عليها العقل. وهذا يعنى التخلى عن التقليد الحديث فى الفكر الأخلاقى التنويرى (76)، ذلك التقليد الذى يحاول - على الأقل منذ كانط - أن يبرر المبادئ الأخلاقية فى ممارسة الفكر التنويرى. ويقارب الدواى بين الإبستمى عند فوكو بأعتباره الخلفية التى تكمن وراء المعرفة فى عصر معين، وبنيته التى تحدد أشكال معارفه، وهى تتشكل من شبكة مفهومية تؤسس ما يسميه بالأوليات التاريخية Prioiri Historthque بمعنى الشروط القبلية لإمكان ظهور المعارف فى مرحلة تاريخية معينة، بنسق الصور والمقولات والمفاهيم والأفكار "القبلية فى الفلسفة النقدية عند كانط (77). وتحت عنوان عن هوية الفكر النقدى عند فوكو.. يرى أن مشروعه الفكرى على ما يبدو أقرب ما يكون إلى النزعة النقدية منه إلى أية فلسفة أخرى، وأن كان يمكن النظر إليه كنوع من التاريخ النقدى للفكر والمعرفة. ومن هنا يتساءل إلى أى تيار نقدى ينتمى هذا المشروع؟ لقد قيل بأنه يلتقى مع الفلسفة النقدية عند كانط. إلا أنه كما يرى إذا صح الحديث عن التقاء بين الفيلسوفين فإن ذلك يكون فقط فى بعض القضايا الثانوية (78).

أن النزعة النقدية الكانطية وأن برهنت على استحالة أن تتجاوز المعرفة الإنسانية الحدود التى تفرض عليها البنية القبلية للعقل البشرى، واستحالة أدراك المطلق، إلا أنها لم تذهب إلى حد الشك فى جميع المعارف وفى جميع الحقائق، بل تركت الباب مفتوحا أمام إمكانية قيام العلم.. وأمام الاستمرار المشروع للإيمان.. أما المشروع النقدى عند فوكو وأن أبدى اهتماما معينا بمسألة المعرفة فهو لا يهدف إلى بناء نظرية فى المعرفة، أو انقاذ الميتافيزيقا من أزمتها أنه يسعى إلى أضفاء الطابع النسبى على جميع المقولات والمفاهيم ، وبالتالى يدعو إلى إعادة تقييم جميع القيم (79). وينتهى إلى أن النقد الذى يمارسه فوكو لا يهدف إلى الكشف عن أية حقيقة ولا يعمل على إبراز الطابع الإيجابى لأية حقيقة. إنه لا يقترح فى النهاية شيئا.. أنه أقرب ما يكون إلى النقد العدمى... ويرى أننا أمام مشروع نقدى لا علاقة له تماما بفلسفة كانط النقدية. ولا حتى ببعض الاتجاهات النقدية الحديثة هو بالأحرى مشروع نقدى يواصل فلسفة نيتشه ويجددها (80).

وهذا ما يؤكد عليه كريستوفر نوريس حينما أوضح أن نزعة الشك المعرفية عند فوكو تقوده إلى أن يساوى المعرفة بالقوة ومن ثم اعتبار كل أشكال التقدم التنويرى علامات على تعقد متزايد فى التكنولوجيا المطبقة للضبط الاجتماعى. يقول: "إن فوكو يتخلى عن الموقف الكانطى بأشكالياته وتعقيداته الكثيرة التى يثيرها، فمن ناحية تنطوى ما بعد البنيوية على "لا مركزية الذات" فى اللغة وهو ما ينادى به فوكو، كما تنطوى على معرفة يستحدثها إدراك جديد بأن الذاتية متشكلة فى، وعبر، اللغة بدلا من نهوضها بمصدر اللغة وأساسها المطلقين ومن ناحية أخرى تؤسس ما بعد البنيوية بالتخاصم الحاسم مع الطبيعة الأساسية للمشكلات التى ينتجها وعلى نحو نموذجى خطاب العقل الكانطى التنويرى الليبرالى (81).

ويضع نوريس فى كتابه "نظرية لا نقدية" تشومسكى فى مواجهة فوكو بسبب دفاعه عن الفلسفة العقلانية للعقل، واللغة التى تستقى الكثير من التقليد التنويرى الكانطى أو من الأرت الذى يراه هو ممتدا بعيدا إلى ديكارت ولغوية بورويال". ذلك أن تشومسكى يرى أن ثمة رابطة بين النظرية اللغوية وبين قضايا أكبر فى حقل المسئولية السياسية الاجتماعية (82).

ونشير قبل أن ننهى هذا القسم إلى محاولة كريج براندست للربط بين فوكو والكانطية الجديدة خاصة لدى مدرسة ماربورج، حيث يصدر دراسته الكانطية الجديدة فى النظرية الثقافية "بعبارة فوكو – التى نختلف معه فى فهمه لها - "نحن جميعا كانطيون جدد". وهو يلاحظ ومعه الحق أن قلائل فى العالم الناطق بالانجليزية يستطعون أن يتبينوا سمات الكانطية الجديدة فى النظرية الثقافية، ويستثنى من ذلك أعمال جليان روز التى تشير إلى أثر الكانطية الجديدة فى بعض مجالات السيكولوجيا الكلاسيكية والماركسية الغربية وما بعد البنيوية. ويوضح أن تأثير مدرسة ماربورج على فكر فوكو - ودريدا - جاء من سبل مختلفة تشمل أفكار هوسرل وهيدجر وبرنشفيك بالإضافة إلى السوسيولوجيا الكلاسيكية.

ويختلف ما يقدمه كريج من تفسير لكانطية فوكو الجديدة عن فهمنا لقراءة فوكو لكانط،. ويبدو أنه يفسر عبارة صاحب اركيولوجيا المعرفة نحن جميعا كانطيون جدد بأن فوكو ينتمى للكانطية الجديدة بينما ما يقصده فوكو - من وجهة نظرنا - هو أنه يقدم رؤية جديدة أو يفهم كانط فهما جديدا دون أن يعنى هذا أنه يتبنى الكانطية الجديدة. فمصطلح الكانطية الجديدة عنده غير دقيق، (يقصد لتأكيد العلاقة بين الكانطيون الجدد وكانط) لأن التعديلات التى ادخلت على كانط كانت تعديلات جوهرية. ويعدد الاختلافات بينهما: فيبنما يرى كانط أن المفاهيم صحيحة قبل تطبيقها على العالم الملموس يقول الكانطيون الجدد متبعين فى ذلك لوظزه أن صدق الفروض يتقرر بصورة مستقلة عن طريق المنطق. وبينما كان كانط يقول أن الدوجماطيقية تبدأ بتحليل الوجود والنقد يبدأ بتحليل المعرفة، كانت مدرسة ماربورج تقول أن الفارق يكمن فى النظر فى مهمة المعرفة، فالمذهب القطعى ينظر إلى موضوع المعرفة على أنه موضوع معطى ويعتبر أن مهمة المعرفة هى معرفة ذلك الموضوع المعطى، أما المنهج النقدى فلا يرى فى التجربة العملية غير مناسبة لإنتاج الموضوع، فالموضوع ليس شيئا معطى بل هو مهمة تنجز، وهى مهمة لا تنتهى لأن كل تفكير هو فى حالة صيرورة (83).

ويشير براندست اعتمادا على روز جيليان إلى نقطة هامة نذكرها ربما نتوسع فيها في المستقبل حول أثر نيتشويه فوكو فى كانطيته. فهو يرى أن توجهات فوكو المضادة للنزعة الإنسانية تم تحولها من الاركيولوجيا إلى الجينالوجيا، قد أدت إلى إخفاء محاولاته لاستكشاف أساس فلسفى مشترك، وقد أوضحت روز أن انتقال فوكو إلى الجينالوجيا كان انتقالا من أحد مدارس الفكر الكانطى الجديد إلى مدرسة أخرى، إذ تحول من الأولوية التى تعطيها مدرسة ماربورج للحجة والصلاحية إلى الصيغة النيتشوية من الكانطية الجديدة التى تنادى  بها مدرسة بادن التى تعطى الأولوية للقيمة فى إنتاج المعرفة وتعتبرها شكلا من أشكال السلطة (84) ونحن نرى فى ذلك صورة من صور حوار الفكر الفلسفى الألمانى مع ذاته والذى يجد صداه فى الفكر الفرنسى.

ثالثاً: ليوتارد والنقد الكانطى التاريخى / السياسى.

لقد أولى ليوتارد  أهتماما كبيرا بفلسفة كانط، خصص له إحدى كتبه وأكثر من دراسة وسيطر على تفكيره فى معظم أعماله، وأهمها وهو كتاب "الاختلافى"، الذى كتبه فى نفس الفترة التى شغل فيها بالنقد التاريخى والسياسى عند كانط وكتب فيها كتاب "الحماسة". وقد شغل هذا الاهتمام عدد من الباحثين اللذين تباينت أرائهم فى كانطية ليوتارد .

ونجد موقفين مختلفين من كانطية ليوتارد : الأول لدى كل من: كريستوفر وانت وأندزجى كليموفسكى اللذين يريا أن الاهتمامات الكامنة فى فلسفة ليوتارد  ترجع إلى سؤالين كانطيين متعلقين بالأسس (على ماذا تحمل الأخلاق والمعرفة؟) والحرية ويريا أن ليوتارد  يقدم نقدا لما بعد الرواية فى الحداثة: القول بأن المعرفة منتجة لذاتها (هيجل) والقول بأن المعرفة منتجة بهدف تحقيق الحرية (ماركس). فهو يتفق (ليوتارد ) مع قول كانط: "إن الفلسفة لا يمكن أن تعلم، على أكثر تقدير يمكن للمرء أن يتعلم كيف يتفلسف "ومن ثم يظل الحكم هو المفتاح الرئيسى، ويشير إلى مشكلة: كيف يمكن أن تمثل الشمول الكلى التاريخى؟ (85).

بينما يرى كريستوفر نوريس فى المقابل أن ليوتارد  يعكس نزعة سائدة بين مفكرى ما بعد الحداثة تستغل مفهوم كانط عن السامى (الجليل) Sublime  أو العلاقة المتوازنة بين الأخلاق وعلم الجمال إلى درجة تتجاوز كل حد يسمح به ما ورد فى كتاب "نقد ملكة الجمال". ويوضح نوريس لماذا تولى ما بعد الحداثة أهمية كبيرة لهذا المفهوم، وذلك بسبب كونه يتمظهر بالنسبة لليوتارد  عند ذلك الحد الفاصل بين اللغة والتمثل، حيث يصطدم الفكر مع تلك التناقضات العصية على الحل ويجبر بالتالى على الاعتراف بافتقاره لمقياس عام يؤسس خطابه وخطابات أخرى (86) وكتب نوريس فى الفصل الرابع من كتابه "نظرية لا نقدية" ضد ليوتارد  تحت عنوان ذو دلالة "من السامى إلى العبثى" حيث يخصص الفقرة الأولى عن الكذب والعاب اللغة، والثانية عن ليوتارد  مناقشا كانط، وسوف نعرض ونناقش هذا الموقف الثانى بعد تحليل كانطية ليوتارد .

يمكن أن نتبين فلسفة كانط بوضوح فى العديد من مؤلفات ليوتارد ؛ الذى أولى للنقد الكانطى عامة، والنقد الجمالى خاصة أهتماما كبيرا، ومع ذلك يكتفى معظم الباحثين في كانطية ليوتارد  بالأعتماد على كتاب واحد لليوتارد  هو الاختلافى The Differend ويشير البعض أحيانا إلى دراسته Just Gaming وسنركز من جانبنا بالإضافة إلى هذين العمليتين وقبلهم على كتاب ليوتارد  عن النقد الكانطى للتاريخ، أو الحماسة L’Enthausiasme  وقبل أن نعرض لهذا العمل سنقدم أشارتين موجزتين لتعامله مع كانط في عمله المبكر الفينومينولوجيا وعمله ذا الشهرة الكبيرة الوضع مابعد الحداثى La  Condition Post - moderne .

ويناقش ليوتارد  فى كتابه الفينومينولوجيا La Phenominoloige العلاقة بين كانط وهوسرل موضحا أثر الأول على الثانى. ويتكون العمل من مقدمة وخاتمة وقسمين الأول من فصل واحد هو علم الماهيات، وهو ما يهمنا بشكل أساسى والثانى من أربعة فصول يتناول على التوالى وضع العلاقة، والفينومينولوجيا وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والتاريخ، ثم خاتمة. يبين ليوتارد  فى المقدمة أن هوسرل بعث من جديد حلم ديكارت فى الوصول إلى رياضيات شاملة، وهذه الرياضيات هى فلسفة، وفلسفة بعد كانطية، لأنها تسعى إلى تجنب المنهجية الميتافيزيقية.. لقد كان كانط يبحث عن الشروط القبلية للمعرفة لكن هذه القبلية كان تستبق الحكم على النتيجة. أما الفينومينولوجيا فترفض هذا الموقف وهنا يكمن سرا أسلوبها الاستفهامى وراديكاليتها (87). ويبين هوسرل فى "المبحث المنطقى" السادس أن الحدس المنطقى لا ينجو من الفهم الرمزى آلا عند ما يركز على الحدس الحسى. ويرى أن الكانطيون الجدد يعتقدون أن هذا يعنى العودة إلى نظرية كانط القائلة إن المعنى المجرد بدون حدس يظل فارغا.

ويشير إلى حركتين متشابكتين فى المجلد الثامن من المباحث المنطقية "تدخل إحداهما تحليل الأحداث المعاشة كأساس لكل معرفة ، ويرى أنها تعيدنا إلى المذهب النفسانى، بينما ترد الثانية إلى مواقف كانطية لأنها ترسم الفهم البديهى للموضوع المثالى على خلفية حدس الشىء المحسوس (88) ويرى إن "تحليل قيمة المبادئ المنطقية يؤدى بنا إلى بحوث مركزة حول "الذات"، وإن علينا فى هذه المرحلة أن نختار بين مثالية مركزة على الأنا التجريبى ومثالية قبليه على النحو الكانطى، ويرى أن كلا الموقفين لم يكن من شأنه أن يرضى هوسرل، الذى يرفض المثالية القبلية الكانطية لأنها لا تفسر إلا الشروط القبلية للمعرفة الصرفة (الرياضيات - الفيزياء البحتة) ولا تفسر الشروط الحقيقية للمعرفة الواقعية. ويرى أن الذاتية الكانطية ليست سوى مجموعة من الشروط التى تنظم معرفة (كل موضوع ممكن بشكل عام)، أما الأنا الواقعى فيعاد إلى مستوى المحسوس كموضوع (و لهذا يتهم هوسرل كانط بالنفسانية) ومعرفة كيف أن التجربة الحقيقية تدخل فعلا فى النطاق القبلى لكل معرفة ممكنة لتمكن من صوغ القوانين تظل بدون جواب (89).

ويوضح ليوتارد تحت عنوان "الأنا الخالص والأنا السيكولوجية والذات الكانطية". أن رفض هوسرل أن يكون الأنا المتعالى هو الأنا السيكولوجى يجعلنا نجد أنفسنا أما الذات الكانطية التى تفترض العلاقة بين المعرفة والأشياء بل بينها وبين القوة العارفة؟ أن الكثير من أقوال هوسرل يوحى بهذا التفسير (ذلك أن هوسرل يبين أن الطبيعة ليست ممكنة إلا عن طريق الأنا) ويستند النقاد على ذلك ليبنوا أن الموضوعية بالنسبة لهوسرل كما بالنسبة إلى كانط تعود إلى مجموعة هذه الشروط وأن القضية الظاهراتية الكبرى هى قضية "النقد" بالذات.

لقد كتب كانط قائلا: "خارجا عن المعنى المنطقى للأنا لا نعرف شيئا عن الذات، التى هى أساس الأنا، كما هى أساس جميع الأفكار بوصفها موضوعا لها" أما عند هوسرل فمبدأ الملازمة هو نتيجة سيكولوجية تجريبية لا يتلائم مع طبيعة الموضوعية. وفى ماعدا ذلك يكون هوسرل فيلسوفا كانطيا فيما يرى ليوتارد (90).

أن هذا الاهتمام ببيان العلاقة بين كانط وهوسرل يوضح فهم ليوتارد  العميق واهتمامه المبكر بالفلسفة الكانطية الذى سيظهر فى أعماله اللاحقة وتوظيفه للمفاهيم الكانطية فى إطار توجهاته ما بعد الحداثية. ويظهر ذلك فى كتابه "الوضع ما بعد الحداثى". والذى يتناول فيه وضع المجتمعات الأكثر تطورا، وهو يستخدم كلمة "ما بعد الحداثة" لتسمية هذا الوضع، لتحديد حالة ثقافتنا فى اعقاب التحولات التى غيرت - كما يقول - قواعد اللعب منذ النهاية القرن التاسع عشر (91) يقول فرضية العمل لدينا هى أن وضع المعرفة يتغير بينما تدخل المجتمعات ما يعرف بالعصر ما بعد الصناعى، تدخل الثقافات ما يعرف ما بعد الحداثة (92).

لتوضيح مشروعية المعرفة يستعين ليوتارد  بنقد العقل العملى حيث لم تعد المعرفة هى الذات، بل هى فى خدمة الذات، ومشروعيتها الوحيدة هى أنها تسمح للأخلاق أن تصبح واقعا. يقدم هذا علاقة بين المعرفة وبين المجتمع والدولة هى فى الأساس علاقة الوسائل بالغايات.. وهو يعيد من جديد الوظيفة النقدية للمعرفة. لكن تبقى حقيقة أن المعرفة ليس لها مشروعية نهائية خارج إطار خدمة الأهداف التى استشفتها الذات العملية، أى الجماعة البشرية المستقلة (93).

فالمعرفة لا تجد صلاحيتها داخل ذاتها، ولا دخل ذات نظرية بتحديد أمكانات تعلمها، بل تجدها فى ذات عملية - هى البشرية. ومبدأ الحركة التى تحفز الشعب ليس إضفاء المشروعية - الذاتية على المعرفة، بل الإرساء - الذاتية للحرية، الذاتية هنا - كما يشرح ليوتارد  - متعينه أو يفترض أنها كذلك وملحمتها هى قصة تحررها من كل ما يمنعها من إدارة نفسها ذاتيا. والقوانين التى تضعها قوانين عادلة ليس لأنها تتمشى مع طبيعة خارجية، بل لأن المشرعين هم دستوريا نفس المواطنين الخاضعين للقوانين - نتيجة لذلك، فإن أرادة المشرع - الرغبة فى أن تكون القوانين عادلة - سوف تتطابق دائما مع أرادة المواطن الذى يرغب فى القانون ومن ثم سوف يطيعه. ويبين ليوتارد  أن هذا النمط من المشروعية من خلال استقلال الإرادة يمنح الأولوية للعبة لغة مختلفة تماما، يصفها كانط بأنها إلزامية (94). ويعلق ليوتارد  فى الهامش على هذا المبدأ الكانطى (أستقلال الإرادة) هو الأخلاق الترنستدتالية أما حين يصل الأمر إلى السياسة والأخلاق التجريبية - حيث أن لا أحد يستطيع أن يتماهى مع الذات المعيارية الترنستندتالية - فإن من الأصوب نظريا التوصل إلى حل وسط مع السلطات القائمة (95).

يصف لنا ليوتارد  فى بداية كتابه الحماسة " L , Enthousiame : النقد الكانطى للتاريخ" مدى اهتمامه بفلسفة كانط حيث استعان بهذا العمل فى محاضرة عن "السياسى" القاها فى نهاية 1981 بمركز الإبحاث الفلسفية بباريس، ونشر جزء منها تحت عنوان "مقدمه لدراسة المسألة السياسة وفقا لكانط ،1981 كما  نشرها  فى كتاب  أبحاث  فى الفلسفة و اللغة  Recherches Sur la Philosophlie et la langange Unit degrenoble Passa 1983. تحت عنوان "الارخبيل والعلامة: حول الفكر الكانطى من التاريخ/السياسى" ويعرض كتابه " la Differned 1984 بعض جوانب الموضوع خاصة فيما كتبه تحت عنوان "ملاحظات كانط" وقد أعاد ليوتارد  النظر فى هذا العمل عن كانط فى وقت متزامن مع أعداد كتابه "الاختلافى" 1980/1981 لكى يبلور فيه مضامين ما بعد الحداثة فى "نقد ملكة الحكم" لكانط، خاصة تصوره للجليل (96).

ويتناول ليوتارد  على امتداد خمسة فصول فى كتابه عن كانط: النقدى نظير السياسى، الارخبيل، ما يكشف عن نفسه في الحماس، منهجان وطريقة لصياغة التاريخى/السياسى، ما يكشف عن نفسه في الشعور من عصرنا، ويمهد بخلاصة للموضوع ويمكن تحديد خلاصة أفكاره على النحو التالى:

1- أن هناك غياب عقيدة الحق فى النصوص الكانطية المتعلقة بالتاريخى السياسى ولماذا هذا الغياب وأن هناك قرابة بين النقد والتاريخى السياسى، حيث يجب فى كلاهما أصدار الأحكام دون أن تكون لديهما قاعدة، حيث على العكس من القانون السياسى الذى يملك قاعدة الحق من ناحية المبدأ؟. وهو يرى انه كما أن النقد لا يقود إلى العقيدة (بل إلى النقد) كذلك يجب أن يكون الأمر فى التاريخى السياسى فبينهما اتفاق (مماثلة) ، فالنقد قد يكون هو السياسى فى عالم الجمل الفلسفية، والسياسى قد يكون هو النقد فى عالم الجمل الاجتماعية التاريخية..

2- لا يتعلق النقد بملكة ما، لكن بما يشبه الملكة، او ما يبدو كما لو أنه ملكة (ملكة الحكم، الاحساس) بسبب أن تحديد العوالم الوثيقة الصلة به تتضمن ما هو غير محدد، وهو يحدد مدى شرعية (قانونية) الدعاوى الخاصة بكل جملة (المسماة ملكة) على عائلتها من عالم الجمل، أنه من الواضح عدم المشاركة بين أسر الجمل المختلفة، لكن النقد مع تحديده خصومه كل أسرة من الجمل المختلفة، يمكنه اقتراح "علاقات ممرات" بينها.

3- يكتب كانط نفسه كناقد فى التاريخى / السياسى إذ يحدد شرعية هذه الجمل التى تقدم هذا العالم، ويقترح علاقات بينها تستعاد عن طريقها وحدة المسألة التاريخية السياسية وأن كانت وحدة غير محددة.

4- إن فلسفة السياسة ، أى النقد الحر أو التأمل الحر فى المسألة السياسية تبدو هى نفسها سياسية؛ فهى تميز بين عائلات الجمل اللامتجانسة التى تقدم عالم السياسة وتستدل على طريقها بواسطة "الممرات" التى تدل على بعضها البعض مثال الحماس كما يحلله كانط عام 1789.

فهو فى هذا العمل كما يتضح مما سبق يحدد أولا المماثلة والاتفاق بين النقد فى المجال الفلسفى والمجال التاريخى والسياسى، ثم يحدد النقد واستقلال موضوع كل ملكة من ملكات العقل وأمكانية وجود علاقات (ممرات) بينها، ويوضح تطبيق ذلك على التاريخى السياسى (97).

ويتضح توجه عمل ليوتارد  فى هامش هام يقول فيه أنه يقوم باتباع درس الكتابين الثانى والثالث من النقد، ودروس الأبحاث التاريخية السياسية، ويمد نطاق البحث لموضوعات معرفية لا يمكن - باعتراف كانط نفسه - أن تحل طبقا لإسلوب الأمثلة والمخططات... ويرى هذه التعبيرات فى نطاق إشكالية الأساس والأصل، وأن الأهمية التى يوليها كانط للحكم هى مؤشر على انقلاب مسألة الأصل لصالح مسألة الغايات التى يقدمها كانط تحت اسم أفكار. إذا نظر إليها من هذه الزاوية فإنها تصبح (كما لو أنها) ممرات بين مناطق من الشرعية. ولكى ندرك "الثورة" الكانطية فى برنامجها غير المعلن يتعين علينا أن نتمكن من تركيب هذه الممرات فى جمل. أنها كما يبدو لى عند كانط ، اللغة أو الموجود وهو يقوم بتحديد مختلف الأسر القانونية، هى اللغة النقدية وإن كانت دون قواعد، وهو يقوم بصياغة تركيبات الجمل المختلفة. من هذا الجانب تبدو "الإشكالية الكانطية" - كما يرى - أكثر سياسية من كونها قضائية (98).

يحدد لنا ليوتارد معياره فى اختيار نصوص كانط السياسية وأن هذا الاختيار فى حد ذاته اختيار سياسى، ومن هذه النصوص الخاصة بالقانون، عقيدة الحق العام التى لم ينظر إليها ضمن أعمال كانط السياسية.

وهذا ما يوضحه لنا بل ريدنجز Bill Readings فى كتابه Introducing lyotard حيث يرى أن قول بنجتون Bennington أن ليوتارد يعد مفكرا سياسيا فى الأساس قولا صحيحا، وهو يشترط كذلك وضع ليوتارد  فى مكانه السياسى بجانب مكانته كمفكر، بنفس القدر. أن ليوتارد  يطلب منا أن نفكر فى السياسة وهو مطلب ليس سهلا، أن نفكر فى السياسة حسبما يرى ليوتارد  معناها أن نضع فهمنا لهذا المصطلح محل السؤال (99).

وأن الجملة الفلسفية عند كانط تتمثل بالجملة السياسية وذلك حين تكون نقدية أى ليست مذهبية. فالأخيرة، الجملة المذهبية أو النسقية تختلف عن الجملة النقدية فى أنها تجد قاعدتها فى النظام الذى تشير إليه فكرة النسق باعتبارها عقيدة (100) ويعتمد فى هذا على تحليل مقدمة نقد العقل النظري الخالص.

إن كثير ما كان يرمز كانط فى رأى ليوتارد للأداء النقدى على أنه يماثل أداء محكمة أو أداء القاضى، ومع ذلك فإن القاضى هنا لا يمكنه أن تكون له سلطة قضائية، إذ لا يوجد فى حوزته كود لنظام قضائى ولا حتى مجموعة مرجعية من الأحكام السابقة تمكنه من إجراء تحقيقه أو صياغة منطوق حكمه بناء عليها، وبالتالى فعليه أن يضع هذا القانون داخل نطاق بحثه، بناء على وجهة النظر هذه تجد الفلسفة النقدية نفسها فى ذات الوضع الذى يحتم على محكمة ما أن تعلن فيه: "هذه هى القضية" أو "هذه العبارة هى السليمة" أكثر مما هى فى أى محكمة أخرى لا يكون فى وسعها سوى تطبيق قاعدة تقيمية أقيمت سلفا على أحد المعطيات الجديدة (101).

عند ليوتارد  المثال الفلسفى ليس هو إقامة نسق، ولكنه الحكم على ادعاءات المصداقية لكافة "المعارف" التى يسميها ليوتارد  "جملا" وذلك فى علاقات يرتبط كل منها بالأهداف السياسية للعقل الإنسانى. ولكى يتم هذا التقييم يتجه الناقد بنظره نحو النموذج (المثال) وهو الفيلسوف. ويرى ليوتارد  أن هذا المثال "الفيلسوف" يسمح أن يحدد بطريقة أشمل المسافة الفارقة بين فكرة الناقد الحالى والفكرة الفلسفية المطلقة، أى المشروعة للعقل الإنسانى، أى تلك التى تحدد قواعد تشكيل ومصداقية كافة الجمل الممكنة.. والفيلسوف بإصداره لحكمه، مقتادا فى ذلك بطريقة غير محددة بمثال الفيلسوف يتجاوز المدرسية إلى الكونية (102).

إن التفلسف بمقدار ما هو نقد كما يؤكد ليوتارد  ليس وصف القواعد التى تتحكم فى تكوين مختلف إسر الجمل فقط، وإنما هو أيضا تقديم موضوعات يسمح كل منها بالحكم.. ذلك هو شرط الفلسفة التى تفكر بالكونية Weltbegriff وإذا لم نقبل هذا الشرط نحصر أنفسنا فى إطار المدرسية فنحن من منطلق الأنساق لا نهتم بالغايات الأساسية للعقل الإنسانى (103).

لقد كتب ليوتارد  كتاب "النقد الكانطى للتاريخ" فى نفس الفترة التى كان يعيد فيها كتابة عمله الهام "الأختلافى" الذى يعد أهم نصوصه وأكثرها تعقيدا، وهو فى العملين يتخذ منحى جديد، حيث يقوم بعمل دراسة مستفيضة لما يعرف بفلسفة العبارات Phrases التى تقدم لنظريته فى ما بعد الحداثة منعطف لغوى جديد. يرى ستيفن بيست ودوجلاس كلنير: أن ليوتارد  قلب إتجاه ما بعد البنيوية بصورة لافتة للنظر، فإذا كان أصحاب ما بعد البنيوية مثل بارث وكريستيفا قد أنطلقوا من قبل بدء من مرحلة إيثار اللغة والدوال وحتى مرحلة أفضلية البدن والرغبة، فإن ليوتارد  قد تحرك فى مسار معاكس تماما. فقد دافع ببسالة عن البدن والرغبة فى البداية ومع هذا فهو فى أعماله الأخيرة أهتم اهتماما كبيرا باللغة. والنصوص التى كتبها فى الثمانينات تبين مدى تحوله بشدة من التحليلات العامة للغة والمجتمع إلى الخطاب الفلسفى (104).

يعرض ليوتارد  فى بداية كتاب "الحماسة" لنص فى تقديم كانط لـ"نقد العقل الخالص" يوضح لنا بالإضافة لمضمون وتاريخ أنساب كانط - كانطية ليوتارد  وسبب تسميته الفيلسوف البدوى (المترحل) وأن الفلسفة ترحال. يقول كانط: "فى بادئ الأمر ظلت الدوجماطيقية تتحكم بشكل مستبد فى الميتافيزيقا، وكان قانون هذا الاستبداد يحمل بصمات بربر
  • 0




عدد المتواجدون الآن فى الموضوع : 0

0 الأعضاء, 0 الزوار, 0 مجهولين