أهلا, . الرجاء الدخول أو التسجيل
18/05/2013, 16:48:01
1,150,775 رسائل في 104,267 مواضيع بواسطة 16,644 أعضاء
آخر عضو: CahuzaK
الوقت الحالي : 18/05/2013, 16:48:01
زمن الاتصال0 دقيقة.
المجد لشعوبٍ تكسر قيود الذّل والعبودية سعياً نحو الحرية ...
*
شبكة الملحدين العرب  |  نقد الايمان والاديان  |  الدين الاسلامي  |  موضوع: خلف محمّد (قراءة نفسيّة) « قبل بعد »
صفحات: [1] 2 3 4 5 6 ... 11 للأسفل طباعة
التقييم الحالي: ****
الكاتب موضوع: خلف محمّد (قراءة نفسيّة)  (شوهد 186712 مرات)
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« في: 16/10/2009, 20:20:55 »

تحيّة طيّبة،

سأحاول في هذه المقالة الاعتماد على السيرة العربيّة وحدها [دون النظر إلى الشهادات الأجنبيّة المعاصرة لها أي كيف قدّمت لنا السيرة النبيّ محمّد] و قراءة الأحداث من منظور تاريخيّ نقديّ بعد إزالة الأصباغ و الماكياج عنها، و قراءة اللامقول المختفي بين السطور.


أقدّم ثلاثة مشاهد:

المشهد الأوّل: (الأبواء، بين مكّة و المدينة)

محمّد الطفل له ستّ سنوات من العمر و جالس قرب جسد أمّه التي توفّيت منذ قليل، كان يبكي عليها بكاء شديدا، فاليوم صار يتيم الأبوين بلا صدر حنون يعود إليه.


المشهد الثاني: (قرب مكّة، غار حراء)

محمّد يبلغ من العمر أربعين عاما و يسمع صوتا لا مرئيّا يكلّمه، و صار نومه متقطّعا، و يرى كوابيس مزعجة، و حين يخرج إلى الخلاء يسمع الأحجار تحدّثه، إلخ..


المشهد الثالث: (حصون بني قريظة، المدينة)

محمّد جالس مع بعض صحابته يتابعون عقاب اليهود، فيأتون بهم ثلّة ثلّة و يقطعون رؤوسهم في حفرة كبيرة، و قد تواصل المهرجان يوما كاملا حتى قتلوهم عن آخرهم ، و الروايات المقلّة تقول كانوا ستّمائة نفس، و إذا سلّمنا بأنّ اليوم يتكوّن من 14 ساعة (من شروق الشمس إلى غروبها) فإنّ المعدّل كان قطع 43 رأسا في الساعة ، و إذا طرحنا أوقات الصلاة (الاجباريّة) و فترات الراحة و هتافات الجمهور المتابعين للمهرجان فإنّنا نصل تقريبا إلى رأسين في الدقيقة، و بعدها دخل محمّد بزوجة لأحدهم و تقاسموا الغنائم و باعوا البقيّة (النساء و الصبيان)



ماالذي حدث في شخصيّة محمّد اليتيم و تحوّله من الدعوة بالحسنى في مكّة إلى الدمويّة في المدينة؟

لماذا ترك كتّاب السيرة هذه الأخبار تصلنا؟

هذه الأسئلة و غيرها سنتناولها في هذا المقال و نتتبّع التطوّر النفسيّ و الاجتماعيّ عند محمّد.

يتبع....


"شكرا لك":
zakory
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #1 في: 16/10/2009, 20:21:53 »

منهجي في هذا المقال هو الابتعاد قدر الإمكان عن الـ chronocentrisme (و هو قراءة أو نقد التاريخ وفق ثقافتنا الحاليّة، أو إسقاط قيمنا المعاصرة على قيم أخرى في فترة ما من التاريخ) و كذلك الإبتعاد قدر الإمكان عن الـ ethnocentrisme

كما أنّي لم أعتمد على أيّ مصدر تاريخيّ غير إسلاميّ.

المراجع المستعملة جعلتها على شكل روابط مباشرة إلى المصدر إلاّ إذا كان الكتاب ورقيّا فإنّي أشير إليه كتابةً.

..................................

هناك منهجان متضادّان في قراءة البنية النفسيّة لمحمّد:

المنهج الأوّل:(لاديني)


و من مؤسّسي هذا المنهج هو Maxime Rodinson في كتابه محمّد  و يعتمد على الأحداث التي أسّست الشخصيّة و كيفيّة تفاعلها مع محيطها الخارجي.



المنهج الثاني: (ديني)

يتبنّاه مالك بن نبيّ  و يقرأ الوحي و الشخصيّة المتلقّية له من وجهة نظر ظواهريّةphénomenologique و عصبيّة-نفسيّة و يفصل بين الأنا المتلقّية و بين الوحي.

و نحن هنا سنتبنّى وجهة النظر اللادينيّة.


ليس لنا معلومات كثيرة عن طفولة محمّد و لا عن سنّ المراهقة (و هي مهمّة جدّا في تكوين الشخصيّة) و السيرة تعطينا فلاشات عن ولادته،وفاة أبيه، رضاعته،ضياعه مرّة و هو طفل فوجدوه مع ورقة بن نوفل، وفاة أمّه، خروجه مع عمّه للتجارة و هو صبيّ، تجارته و هو شابّ، زواجه من خديجة، تعبّده في غار حراء، نزول الوحي، دعوته، هجرته إلى يثرب، و هنا تحديدا تتسلّط كلّ الأضواء عليه في المدينة فأفرط كتاب السيرة في الحديث عنه حتى كادوا لا يتركون شيئا من حركاته و لا سكناته إلاّ و ذكروها.

لم تكن طفولة محمّد طفولة عاديّة فقدْ فقدَ أباه ثمّ أمّه ثمّ جدّه و هو طفل إلى أن حطّ به الرحال أخيرا في بيت عمّه عبد مناف، و قد يرى البعض أنّ هذه الطفولة الحزينة ساهمت في بثّ بعض الجروح و الاهتزازات في نفسيّة الطفل و ظلّت قابعة حينا من الزمن، و قد يرى البعض الآخر أنّ هذا كلّه كان من عند الله لتحضيره لتلقّي الوحي فيما بعد و العطف على اليتامى.

تجدر الإشارة إلى أنّ كتب السيرة بلا استثناء، لا تذكر أيّ حادثة عنف عن عمّه عبد مناف (أبو طالب) بل تقدّمه على أنّه شخص هادئ، متفهّم، حنون، و لا تذكر أيّة حالة غضب له، و هو شجاع و صاحب مبادئ، و اهتمّ بمحمّد أحسن اهتمام و حمله معه في تجارته، بل حتى حين بدأت الأفكار "العجيبة" تراود ذهن محمّد فيما بعد حين كبر، لم يتخلّ عنه و تفهّمه و حماه.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا قفز بنا كتّاب السيرة من "مشهد خروجه مع عمّه للتجارة" مباشرة إلى سنّ العشرينيّات؟ أين ذهبت فترة المراهقة؟ خاصّة إذا لاحظنا أنّ كتّاب السيرة لا يعوزهم الخيال و لا الحيلة في نسج القصص؟ و الأغرب هو أنّه لم يهتمّ أحد من المستشرقين بمحمّد المراهق و أغلبهم يركّزون على سنّ الأربعينيّات فما بعدها.

الجواب واضح:لم يهتمّوا به لأنّه لا يهمّهم فالهدف هو محمّد النبيّ و الإسلام أمّا محمّد الإنسان كطفولة و مراهقة فلا يبدو مهمّا!

و يحقّ لنا أن نتساءل ماذا كان يعمل محمّد في تلك السنّ؟ هل كان راعيا؟

يتبع......
« آخر تحرير: 16/10/2009, 20:22:34 بواسطة embratour » سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #2 في: 16/10/2009, 20:23:21 »

عادة ما يكون الرعاة من الطبقة السفلى في المجتمع المدنيّ، و مكّة هي مدينة قائمة بذاتها و تحكمها ضرورات اقتصاديّة و تجاريّة مع البلدان الأخرى و بالتالي هناك نظام رأسماليّ يحكمها من أصحاب رؤوس المال و عبيد و وسائل نقل (الجمال) و رعاة لها و مخازن لحفظ البضاعة إلخ، لذلك فإنّه من الخطأ القول أنّ العرب تعني "البدو" فلا يمكن المقارنة بأيّ حال من الأحوال بين مكّة و الطائف و المدينة مثلا و بين تجمّعات قبليّة متناثرة تحت الخيام، بين المجتمع الحضريّ و بين مجتمع الأعراب أو البادية، و إن كانوا يشتركون في العديد من القيم المشتركة العربيّة كالولاء القبلي و الثأر و تقديم العشيرة و غيرها فإنّ هذا التشارك يتجلّي بطريقة مختلفة في البدو و الحضر.فقد يستطيع شخص بقدراته الذاتيّة- في مكّة- و دهائه و رأس ماله أن يكون من علية القوم رغم أصله المجهول كعمرو بن العاص مثلا.

فقد كان في مكّة أيضا مجلس الحكماء (senate) و الحكم لا يعود لرجل واحد فقط و إنّما بالإجماع (هذه القيم تسمّى الآن عصر الجاهليّة!) و بالطبع فإنّ التنظيم الاجتماعيّ سيكون موازيا لهذه الحركة الاقتصاديّة و يكون للمرأة دور فاعل فيها حيث نرى أيضا سيّدة أعمال "خديجة" قائمة بنفسها و تعيش وحدها دون أن تكون بالضرورة تحت قوامة رجل، بل كان منهنّ نبيّات يستطعن استنهاض قبائل كاملة، و شاعرات، بل و كان لبعض النسوة عشّاق آخرين تحت سمع المجتمع و بصره، و قد تراجع العديد من الباحثين الأجانب عن فكرة وأد البنات "1"و رأوا أنّهم عمّموها على الجزيرة العربيّة و يرون أنّها وجدت في منطقة محدودة و إثر مجاعة.

لذلك حين نتحدّث عن غزوات القبائل أو البدو أو إلخ فإنّه يجب تحديد المنطقة التي نتحدّث عنها لأنّ العلاقات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة مختلفة من منطقة إلى أخرى و من بنية إلى أخرى. كما أنّ هذا المجتمع التجاريّ في مكّة يكون أقلّ عنفا و أكثر تهذيبا، ليس فقط من الناحية التنفيذيّة (الشرطة) و إنّما أيضا من الناحية الثقافيّة و لنا في الثلاث عشرة سنة التي قضاها محمّد في مكّة يدعو لم يتعرّض فيها لطعنة سيف أو سهم غادر من بعيد رغم مقدرتهم على ذلك و لم يتجاوز الأمر مجرّد شتائم أو مضايقات جسديّة عابرة بالأيدي لكن لم يصل إلى حدود القتل و إهدار الدم.(سنورد قصّة محاولة القتل و فداء عليّ بنفسه في أوانها)

إذن فإنّ مهنة رعي الأغنام في مجتمع رأسماليّ كمكّة تكون للطبقة العاملة و لا ترقى إلى قيمة أو قدر أصحاب المال، لكنّ المشكلة هنا هو كيف لراع أمّيّ فقير أن توظّفه امرأة أعمال في تجارتها (خديجة) و ترسله إلى البلدان الأخرى ليبيع و يشتري و يفاوض التجّار الآخرين، و هو من الطبقة الجاهلة الراعية للأغنام و لا خبرة لديه في التجارة؟

هذا يجعلنا نستبعد احتمال أن يكون راعيا(و ربّما اشتغل بالرعي مرّات عابرة) و نميل إلى أنّه كان يخرج مع القوافل و تعلّم أساليب البيع و الشراء و طبعا القراءة و الكتابة لتحرير العقود و إلاّ فإنّ خديجة ليست من البلاهة بمكان حتى ترسل تجارتها مع مبتدئ لا يفقه المهنة، و لا يكفي أن يكون أمينا و صادقا -كما جاء في السيرة- ليتمّ تكليفه بهذه المهمّة.

يتبع.....


1-René Marchand /contre enquete/طبعة 2006 /صفحة 133
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #3 في: 16/10/2009, 20:24:57 »

و قد بدأ خروج محمّد مع القوافل مبكّرا حيث ذهب مع عمّه الزبير إلى اليمن و هو ابن بضع عشرة سنة،"1" و لا يخفى علينا المعلومات التي سيكتسبها في مثل هكذا رحلات خاصّة في كيفيّة سير القافلة و الإهتداء بالنجوم و الطرق الآمنة و كذلك مفاوضات البيع و الشراء، ثمّ حين توفّي عمّه كان عمر محمّد أربع عشرة سنة فانفرد بتربيته أبو طالب.

و من الجنوب ننتقل إلى الشمال، فيخرج محمّد مع عمّه أبي طالب إلى الشام للتجارة،(ربّما خرج إلى الشام قبل اليمن، المهمّ أنّه خرج!) و كلّ هذه الرحلات من شأنها أن تصقل معارف محمّد في التجارة و تسيير القوافل، فلا نعجب حينها أن تقترح عليه امرأة أعمال تملك (شركة دوليّة للإستيراد و التصدير) العمل معها، فهو يملك خبرة في الرحلات و القوافل التجاريّة منذ طفولته، فيكون فعلا الرجل المناسب و ما كان لتخطئه عين تاجرة ثريّة كخديجة.

و قبل أن نواصل الحديث عن لقائه و زواجه من خديجة نعود قليلا إلى شخصيّتين ارتبطتا بشكل ما (أو ربطهما كتّاب السيرة العبّاسيون) بمهمّته كنبيّ فيما بعد.

الشخصيّة الأولى:

ورقة بن نوفل

تظهر هذه الشخصيّة مبكّرا في السيرة و قبل ولادة محمّد، حيث أنّ أخت ورقة بن نوفل و اسمها أمّ قتال بن نوفل راودت عبد الله (أبا محمّد)عن نفسه حين كان مارّا بجانب الكعبة، لكنّه رفض دعوتها و تزوّج بآمنة بنت وهب "2" فحملت بمحمّد.

ثمّ تعود هذه الشخصيّة للظهور مرّة أخرى، حين كان محمّد طفلا، حيث افتقدته أمّه فخرجوا للبحث عنه في مكّة، فكان أن وجده ورقة ابن نوفل مع شخص آخر غير مذكور في السيرة "3"

ثمّ تظهر هذه الشخصيّة فيما بعد عند نزول الوحي، كما يعرف الجميع، و سنعود إلى تلك الأحداث في أوانها.

الشخصيّة الثانية:

الراهب بحيرى

تظهر هذه الشخصيّة حين سافر محمّد مع عمّه إلى الشام و توقّفت القافلة ببصرى ، و انتبه لهم راهب يدعى بحيرى،و بشّر بنبوءة محمّد، و قد حذّر هذا الراهب أبا طالب قائلا:

"احذر عليه اليهود" "4"

و سنتوقّف قليلا هنا و نتساءل:

1-لماذا اليهود بالذات؟ و الحال أنّ الإسلام أقرب إلى اليهوديّة من المسيحيّة.

2-إن لم يقلها بحيرى، فلماذا قالها كاتب السيرة العباسيّ و ما هو دافعه؟

3-هل بحيرى هو شخصيّة تاريخيّة حقيقيّة؟

الظاهر أنّ الكاتب العباسيّ يسقط أحداث عصره على الماضي، نظرا لعدم الثقة التي كانت قائمة بين العرب و اليهود بعد الإسلام، و هذا الوضع لم يكن كذلك من قبل فقد كان اليهود يعيشون مع العرب جنبا لجنب قبل الإسلام، في اليمن، و في يثرب، إلخ

أمّا بحيرى فهو شخصيّة ليست مثبتة تاريخيّا، و ربّما وجدت فعلا، لكن -و في غياب الدلائل- فإنّنا سنتناول الأمر من وجهة نظر أخرى.

بالنسبة لذكر بحيرى في التراث الإسلامي فإنّ الغرض منه واضح و هو الإشارة إلى أنّ نبوّة محمّد كانت منتظرة من العديد من رجال الدين، كما أنّ هذا المنتظر يحمل علامات جسديّة معيّنة يُعرف بها -و هو ما لاحظه بحيرى- و هذا الربط بين "المختار المنتظر" و بين العلامات الجسديّة هو في الأصل مأخوذ من التراث اليهوديّ كمخطوطة قمران رقم 4Q534بالعبريّة"5"

و لفظ بحيرى بالسريانيّة يعني "المجرَّب" "6" و بالعبريّة يعني "المختار" و بالعربيّة "كثير العلم" ، و إن صحّ أنّ بحيرى هو راهب نسطوريّ سريانيّ فإنّ لقبه "المجرّب" هو الأصحّ، بيد أنّه تمّ أخذ هذا الإسم فيما بعد من الطرف المسيحيّ و ربطوه بكتاب "قيامة دانيال" المكتوب في بداية الألفيّة الأولى و الذي يذكر فيه الإسم على مقطعين بحير-رع :בחיר רע

أي "مختار الشرّ" كإشارة إلى تعليم هذا الراهب لمحمّد و بداية الشرّ أي الإسلام، كما تمّت كتابة "قيامة بحيرى" يتحدّث فيها الكاتب أنّ بحيرى علّم محمّدا، و هذا الكتاب منسوب لتلميذ بحيرى لكنّه يفتقد تماما للمصداقيّة التاريخيّة،حيث أنّ أقدم نسخة تعود للقرن التاسع ميلادي بالسريانيّة "7" و توجد اختلافات عديدة بين جميع النسخ العربيّة و السريانيّة و العبريّة و الأرمينيّة و اللاتينيّة، كما يذكر فيها اسماء الخلفاء العبّاسيّين تحت اسم موسى و هارون، في إشارة إلى موسى المهدي و هارون الرشيد. و مع ذلك فإنّ أقدم ذكر لبحيرى نفسه يعود لسنة 670 ميلادي "7"



يتبع......

...................................


1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني

2-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 367

3-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني

4-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/ص 382

5-les manuscrits de la mer morte/michael wise

طبعة 2001 /دار Plon/صفحة 555 مع مخطوطات تنشر لأوّل مرّة، و قد جاء في هذه المخطوطة:

[..]على اليد، علامـ[تان] ، علامة أن يكون شعره أصهب، و تكون له شامة على [..] و على فخذه علامات صغيرة غير متشابهة.

6-nau francois/l'expension nestorienne en asie/طبعة 1913/باريس/صفحة 215/هامش1

7-seeing islam as others saw it/robert hoyland/طبعة 1997/الولايات المتّحدة/ صفحة 476/هامش 72
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #4 في: 16/10/2009, 20:26:34 »

أن يذكر لنا كتّاب السيرة، بعض الحوادث عن طفولة محمّد تدعّم نبوّته، كحلم آمنة، و حادثة شقّ صدره، و تنبّئ بحيرى بشأنه العظيم، فهذا أمر مفهوم و يدخل في باب الصورة التي يجب تقديمها عن محمّد، لكن لماذا تمّ ذكر حادثة ضياعه و هو طفل و عثور ورقة بن نوفل عليه؟

لماذا لم يذكروا إلاّ هذه المعلومة- من ضمن المعلومات النادرة -التي وصلتنا عن طفولته؟ و لماذا ورقة بن نوفل بالذات؟

لا جواب لنا.

و بعد هذه الفلاشات السريعة التي تقدّمها لنا السيرة عن طفولته -و التي لا تفيدنا في شيء- إلاّ ، ربّما، حادثة واحدة حينما كان يلعب مع الصبية و هو طفل فيرفعون ثيابهم لحمل الحجارة و كان محمّد يفعل مثلهم، فيكشفون عن عوراتهم، و فجأة شعر محمّد بشخص غير مرئيّ يلكمه قائلا:"شدّ عليك إزارك" ، قال: (أي محمّد) : فأخذته فشددته علي، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري علي من بين أصحابي‏. "1" ، هذه القصّة -كما يقول ابن كثير في الصفحة نفسها- تتكرّر مرّة ثانية مع محمّد و هو شاب أثناء بناء الكعبة و كان ينقل الحجارة مع عمّه العبّاس و يرفع أيضا إزاره، و يرويها عمّه قائلا:"

قال‏:‏ وأفردت قريش رجلين رجلين، الرجال ينقلون الحجارة، وكانت النساء تنقل الشيد، قال‏:‏ فكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا الناس أئتزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي، قال‏:‏ فخر وانبطح على وجهه، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء فقلت‏:‏، ما شأنك‏؟‏ فقام وأخذ إزاره قال‏:‏

‏(‏‏(‏إني نهيت أن أمشي عرياناً‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون‏.
"2"‏

نلاحظ الحضور القويّ للوازع الأخلاقيّ عند محمّد منذ شبابه في الرواية الثانية حتى أنّه سقط على الأرض و عيناه شاخصتان إلى السماء، كما أنّ هذه الهواتف أو الكائنات غير المرئيّة كانت تظهر له منذ بداية شبابه، و هو يكتمها عن الناس مخافة اتّهامه بالجنون، و ستزداد هذه "الرؤى" حدّة مع الوقت و تتمظهر في أشكال مختلفة فيما بعد، كسماعه لتسبيح الحصى، و تسليم الحجارة عليه حين يخرج إلى الخلاء، و طبعا رؤيته لجبريل، و سماع هواتف غير مرئيّة، إلخ، و هي ما يفسرها المنحى الديني بالوحي و النبوءة، بينما يفسرها المنحى العلمي بالشيزوفرينيا و تنطبق على أغلب الأنبياء الصادقين الذين لا يدّعون النبوّة كذبا و ليس فقط على محمّد، و قد حدث منذ سنوات أن نزل شخص إلى الشارع في نيويورك و بدأ في إطلاق النار على المارة، و حين ألقت الشرطة القبض عليه، أخبرهم أنّه سمع هواتف تأمره بذلك، و أنّه ينفّذ أمر الربّ، و طبعا حملوه مباشرة إلى مستشفى الأمراض العقليّة.

 إذن، فإنّ محمّدا الذي يملك خبرة في التجارة بفضل رحلاته مع القوافل، "3" يلتحق للعمل مع خديجة، و يساهم في تحقيق أرباح لها، ممّا يدلّ على حنكته و إتقانه لمهنته.

الزواج:

يبدو للبعض أنّ زواج محمّد من خديجة هو زواج مصلحة، أي لأجل مالها، خاصّة أنّه شاب ابن خمس و عشرين سنة و هي ابنة أربعين سنة "4"، و هذا الكلام منطقيّ لكنّه لا يلمس الأمر من جميع جوانبه. فمن هي خديجة؟

هي خديجة بنت خويلد بنت أسد بن عبد العزّى بن قصيّ بن كلاب.

و محمّد هو ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب

فالإثنان يشتركان في جدّهما قصيّ مع بني أميّة و هذا رسم توضيحيّ:

(لم أستطع رسم الجدول مباشرة هنا فرسمته عندي على excel و نقلته كصورة)



يتبع....



................



1-ابن كثير/البداية و النهاية/الجزء الثاني.

2-المصدر السابق.

3-لا يذكر كتّاب السيرة احتكاكه بالديانات الأخرى، و حتى لقاؤه مع بحيرى مرّة و نسطور مرّة أخرى يبدو عابرا، و كأنّهم يحاولون قدر الإمكان تجنّب أن يكون محمّد يعرف شيئا قبل القرآن، رغم أنّه قد يدخل في حوارات مع أصحاب الديانات الأخرى أثناء البيع و الشراء ، على الأقلّ بدافع الفضول، أو تجاذب أطراف الحديث، ناهيك عن احتكاك أهل مكّة بالديانات الأخرى ممّا يوفّر معرفة سطحيّة على الأقلّ لهم باليهوديّة و المسيحيّة و الزرادشتيّة.

4-بعض الروايات تقول كان عمرها خمسا و ثلاثين، و بعضها تقول كان عمرها خمسا و عشرين، (راجع البداية و النهاية/الجزء الثاني
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #5 في: 16/10/2009, 20:27:56 »

خديجة بنت خويلد كانت متزوّجة برجلين من قبل أن تتزوّج بمحمّد:

عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم و أنجبت منه فتاة اسمها هند تزوّجت فيما بعد بابن عمّها صيفيّ بن أميّة "1".

و زوجها الثاني النباش بن زرارة و كنيته أبو هالة و أنجبت منه طفلين "2":هند (و هو ذكر) و هالة (و هو ذكر)و هناك اختلاف في الروايات في هذا الأمر

و عتيق، زوج خديجة الأوّل،(أو الثاني حسب الروايات) هو ابن عمّ الوليد بن المغيرة و هشام بن المغيرة والد أبي جهل.

لماذا تزوّج محمّد من خديجة؟

الجواب واضح:هو فقير و هي غنيّة

و لنا أن نتساءل أيضا:لماذا تزوّجت خديجة من محمّد؟

هي ليست بالفتاة الصغيرة الغريرة التي يستطيع شاب التأثير عليها كما أنّها تعرف الوضعيّة الإقتصاديّة لمحمّد بما أنّه يعمل عندها و هي لها تجربة في الحياة و تزوّجت مرّتين من قبل، فما الذي يدعو امرأة تاجرة و غنيّة مثلها إلى الزواج بشابّ صغير؟

لنضع الاحتمالات:

هل وقعت في حبّه؟

بعض الروايات تقول هذا، حيث أعجبت بأخلاقه و أمانته، لم لا؟ لكن خلف هذه الفتاة العاشقة توجد امرأة  مجرّبة و حازمة  أيضا و لا يوجد ما ينبئ في السيرة عن علاقة حبّ و هيام بينهما فتذهب ركضا و ترتمي تحت قدميه و يتبادلان الأشعار و رسائل الغرام.

هل كان جميلا فأرادته في فراشها؟

هي ليست محتاجة للزواج كي يكون لها عشيق، فحالتها الإقتصاديّة المستقلّة تسمح لها أن تتّخذ علاقة مع شخص من علية القوم دون زواج، خاصّة أنّ المجتمع المكّي كان يشهد هذه العلاقات حتى بين المتزوّجين، كالإشاعة التي تتحدّث عن علاقة عمر بن الخطّاب و هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان قبل الإسلام.

هل كانت تحتاج رجلا في حياتها؟

هذا هو الإحتمال الأقرب للمنطق، تحتاج رجلا يعينها على تربية الأطفال، ينوبها في أعمال التجارة، يطوّر لها مؤسّستها التجاريّة بسهولة بما أنّه رجل و مفاوضاته مع التجّار الرجال  ستكون أسهل و قدرته على السفر جنوبا و شمالا، كما أنّها لا تستطيع ترك أبنائها و الذهاب بنفسها في رحلات شاقّة، فزواجها منه هو مصلحة لها أيضا و محمّد كذلك من عائلة عريقة و شريفة في مكّة و إن كان هو يستفيد من ثرائها فهي تستفيد من خبرته التجاريّة و شرف عائلته

يقول الطبري "3"

كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي امرأة تاجرةً، ذات شرف ومال، تستتجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، وكانت قريشٌ قوماً تجاراً

[نلاحظ هنا حاجتها لشخص أمين تثق به، و يا حبّذا لو كان زوجا لها لتمتين الروابط.]

وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة؛(..) فقالت له - فيما يزعمون - : يا بن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً، وأعظمهن شرفاً، وأكثرهن مالاً؛ كل قومهما كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليها.
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب عمه؛ حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها


و محمّد لم يتزوّج بها من أجل مصلحة ماليّة فقط، بل و مصلحة نفسيّة أيضا، فهو يتيم الأمّ، و خديجة تكبره كثيرا فهي زوجة و أمّ أيضا، و لم يكن يردّ لها طلبا كما جاء في السيرة، فمحمّد يعوّض هذا الجانب النفسيّ، خاصّة إذا رأينا لجوءه إليها و احتماءه بها حين نزل عليه الوحي أوّل مرّة، فهي زوجته و أمّه.

يتبع...

..................................


1-الإصابة في تمييز الصحابة/الجزء الثامن

2-أسد الغابة في معرفة الصحابة/كتاب النساء

3-تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 383
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #6 في: 16/10/2009, 20:29:05 »

بعد زواج محمّد من خديجة، يقفز كتّاب السيرة خمس عشرة سنة إلى سنّ الأربعين وقت نزول الوحي و كأنّهم كانوا ينتظرون بفارغ الصبر الوصول إلى هذه المرحلة، ربّما بسبب نقص المعلومات لديهم قبل نزول الوحي فحاولوا قدر جهدهم تأليف بعض القصص المبشّرة بالنبوّة في سياق أدبيّ تصاعديّ.

و بين زواج محمّد و نبوّته يذكرون لنا حادثة مروره بقريش أثناء بناء الكعبة و اختلافهم فيمن ينال شرف رفع الحجر الأسود (النيزك) و وضعه في موضعه، فاتّفقوا على تحكيم أوّل عابر ، فكان -و يا محاسن الصدف- محمّد أوّل عابر (نلاحظ هنا أنّ تحكيمه -إن صحّ- وقع مصادفة)

و دون هذه الحادثة ، لا شيء.

هل ذكروا على الأقلّ شيئا عن تجارته و هل كبرت أم توسّعت أم أفلست؟

لا.

هل ذكروا شيئا عن حياته الإجتماعيّة؟

لا أيضا.

إنّهم ينتظرون سنّ الأربعين و فترة نزول الوحي و يقفزون السنوات قفزا، رغم قدرتهم الأدبيّة على نسج القصص و حبكها.

فقط نعلم أنّ خديجة وهبت (أهدت) لزوجها محمّد، مولى سريانيّا اسمه زيد بن حارثة،(الذي سيتزوّج محمّد امرأته فيما بعد) و لا يبدو أنّ محمّدا قد تمتّع بثروة خديجة، فلا تذكر السيرة أنّه اشترى دوابا أو امتلك عقارا أو أرضا ، كما أنّه لم يتزوّج عليها طيلة حياته معها، (هل كان عقد الزواج ينصّ على هذا؟) رغم رغبته الشديدة في ولد أو أولاد ذكور -كأيّ رجل عربيّ- و قد أنجب ستّة أولاد منها (ذكرين توفّيا صغارا و أربع بنات) و نلاحظ هنا تشبّث خديجة بزوجها و رغبتها في منحه طفلا ذكرا، فهي تجازف بحياتها رغم سنّها المتأخّرة و تحبل أربع مرّات ، و في كلّ مرّة كان المولود بنتا، و النساء في ذلك الزمن يعرفن خطورة الحمل في مثل هكذا سنّ و يعرفن أيضا كيفيّة منع الحمل، و رغم ذلك فخديجة كانت تريد منح زوجها ولدا ذكرا.

يرى البعض أنّ محمّدا كان تزوّج خديجة على الطريقة المسيحيّة و أنّ ورقة بن نوفل هو من كتب عقد القران، لذلك فلا يحقّ له الزواج بغيرها، و نحن نعارض هذا الكلام لضعفه الشديد و نرجّح أنّ ورقة و محمّدا كانا من الأبيونيّين و يؤمنان بالناموس الذي أنزل على موسى، و يحلّل التلمود الزواج بأربع نساء، و على كلّ حال لن نناقش المنطلقات العقائديّة لمحمّد في هذه السلسلة و سنقتصر فقط على المنطلقات النفسيّة.

ربّما كان عقد القران ينصّ على منعه من الزواج بأخرى و كانت خديجة لا ترضى بامرأة أخرى تقاسمها زوجها، لكنّ عدم إنجاب ذكر له ثقل نفسيّ على محمّد، حتى أنّ هناك من سينعته بالأبتر فيما بعد. و هذا قد يولّد شعورا باطنيّا بالظلم و بالحزن خاصّة حين تصبح زوجته عجوزا أو كما قالت عائشة:"وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين" (كأنّ عائشة تتهكّم من خديجة هنا و تنعتها بحمراء الشدقين، ربّما تقصد أنّها كانت تضع أحمر الشفاه و هي عجوز) ، هذا الشعور بالظلم يدفع محمّدا إلى الإنعزال الإجتماعيّ فيما بعد، فيتحنّث في غار حراء.

و قد أنجب زينب و عمره ثلاثون عاما و تزوّجت من أبي العاص بن الربيع "1" قبل نزول الوحي، و نلاحظ هنا أنّها تزوّجت دون سنّ العاشرة، و كذلك فاطمة تزوّجت بعليّ دون سنّ العاشرة، ممّا يجعلنا نرجّح أنّ زواج البنات في تلك السنّ كان أمرا شائعا و عاديّا، و بالتالي ليس بدعة أن يتزوّج محمّد بعائشة ذات التسع سنين، و هو ما ينقده العديدون لكن هذا خطأ لأنّنا نسقط قيم عصرنا على عصر آخر. و هو ما يسمّى في قراءة التاريخ: كرونوصونتريزم.

و قد تزوّج (خطوبة فقط؟) رقيّة و أمّ كلثوم من ابني أبي لهب، و الذان طلّقاهما فيما بعد حين تنبّأ محمّد، أمّا أبو العاص بن الربيع فلم يطلّق زينب، و قد كانا يحبّان بعضيهما و يقول الطبري "2"

وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على أن يفرق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه
و قد وقع زوج زينب في الأسر يوم بدر ، فأرسلت تفديه، (و نرى هنا شدّة تعلّقهما) يقول "3" :

لما بعث أهل مكة في فداء أسرائهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها.

قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقةً شديدةً، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا ! فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.


الصدمة: نزول الوحي.

انطلاقا من هنا سنبدأ في تحليل النفسيّة.

يتبع.......

............................................................


1-تاريخ الطبري/صفحة 455

2-المصدر السابق

3-المصدر السابق/صفحة 456
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #7 في: 16/10/2009, 20:30:48 »


الصدمة:نزول الوحي.

التاريخ: يوم الإثنين "يقول الطبري: "لا خلاف في هذا اليوم بين أهل العلم"

و كان في شهر رمضان.

إمّا 17 أو 18 أو 24 من رمضان. حسب الروايات.

طبعا نحن اليوم نستطيع التأكّد من هذا الكلام:

فالسنة التي يوافق فيها يوم الإثنين من رمضان أحد هذه التواريخ (أي 17 أو 18 أو 24 رمضان )هي:

25 أوت/آب سنة 609 ميلادي و توافق بالهجري:

18 رمضان سنة 13 قبل الهجرة.

و قد بحثت -على الهامش- في أحداث هذه الليلة (25 أوت 609 ميلادي) على موقع نازا nasa كتواريخ خسوف القمر مثلا، فللظواهر الطبيعيّة دور في إعطاء تهيّؤات لشخص وحيد في جبل في الخلاء في عمق الليل لكن لم أجد شيئا ذا بال.

و لم تحدث ظاهرة طبيعيّة في تلك الليلة سوى أنّ الطقس طبعا كان حارّا (ابتسامة)

لنجمع هذه الظواهر أوّلا:

كائن غريب يتبدّى له و يكلّمه: "1"

قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغتنى ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق " ، فقرأت. فأتيت خديجة. فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري

الحجارة و الأشجار تكلّمه: "2"

في صحيح مسلم‏:‏ عن جابر بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏

‏(‏إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلِّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)‏



يسمع أصواتا تناديه باسمه، فيخاف: "3"

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي‏:‏ يا محمد يا محمد فأنطلق هارباً في الأرض‏)‏‏)‏‏

الرغبة في الإنتحار: "4"

ثم حبب إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزود لمثلها؛ حتى فجأه الحق، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت رسول الله ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجثوت لركبتي وأنا قائم، ثم زحفت ترجف بوادري، ثم دخلت على خديجة، فقلت: زملوني، زملوني ! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد، أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالقٍ من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك، فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله

و كذلك الكوابيس المزعجة.

هذه الأعراض لا تخفى على أيّ عالم نفس: إنّها الشيزوفرينيا.

تعريفها:

الشيزوفرينيا هي مرض نفسيّ لا يعني تضاعف الشخصيّة كما هو شائع و إنّما تعني انقسامها أو ما يسمّى بالإنفصام.

و إيتمولوجيّة الكلمة مأخوذة من اليونانيّة "5":

scheizen و تعني انقسام.

phren و تعني العقل (spirit)

أسبابها و أعراضها:

أسبابها متعدّدة جدّا و كذلك أعراضها، و كلّ حالة تختلف عن الأخرى ، بيد أنّ أغلب الباحثين اليوم يرون عنصر الوراثة (كأبي كبشة جدّ محمّد) يلعب دورا في الإصابة بها. "6"

و أعراضها: سماع أصوات، رؤية كائنات غريبة، الخوف، الإنهيارات العصبيّة، الرغبة في الإنتحار، الأرق، الكوابيس، الكلام بجمل مرمّزة قريبة من الشعر; إلخ..

و هذه الأعراض تختلف من شخص لآخر و قد تجتمع كلّها و قد يبدو بعضها فقط.

نلاحظ أنّ ما يجتمع فيه الأنبياء و ليس فقط محمّد هو هذا السماع و الرؤية لأشياء غير مرئيّة، أي موجودة في ذهنهم فقط، فكلّ الأنبياء مصابون بالشيزوفرينيا. و يسمّي علم النفس هذا النوع: الشيزوفرينيا الغيبيّة (mystique) و لو أنّ كلّ الأنبياء وقعت كتابة سيرتهم بالتفصيل المملّ كما حدث مع محمّد لرأينا العديد من الأعراض المشتركة بينهم.

و عادة فإنّ المريض لا يقوم بأعمال عنف ضدّ الآخرين إلاّ في حالة واحدة فقط: حين يأمره الصوت أو الكائن الذي في ذهنه بهذا (كجبريل و أمره بإبادة بني قريظة مثلا)

قد يقول قائل: لقد انقطع الوحي في البداية لفترة عن النبيّ، و لم يعد يرى و يسمع هذه الأشياء، فما تفسيرها؟

في الحقيقة فإنّ هذا الأمر يؤكّد ما نذهب إليه و يعرفه كلّ علماء النفس و تسمّى: remission حيث تنقطع لفترة قد تصل إلى ثلاث أو خمس سنوات ثمّ قد تعقبها فترة rechutte فتعود هذه التهيّؤات، و في أغلب الأحيان يكون المريض قد تأقلم مع مرضه و يعود إلى الإندماج الإجتماعي.

و لا نحسب أنّ المريض بالشيزوفرينيا شخص عاجز أو هامشيّ، فالمشاهير الذين تأقلموا مع مرضهم و نجحوا هم كثيرون مثل:

عالم الرياضيّات John Forbes Nash Jr و المتحصّل على جائزة نوبل في العلوم الإقتصاديّة.

 Bobby Fischer بطل العالم في الشطرنج  سنة 1972

الرسام العالمي فان غوغ

إلخ....

 هذا الإنقسام في الشخصيّة لمحمّد سيولّد محورين:

1-شخص حنون، كريم، رحيم، يحضّ على الخير (و هو الأنا الحقيقيّة)

2-شخص دمويّ بلا رحمة و شهوانيّ (المرآة الأخرى للشخصيّة و هي الأصوات أو جبريل)

و توجد هناك دراسة جامعيّة قرأتها من قبل عن علاقة الصرع بالشيزوفرينيا لكنّي لم أجدها و سأقتصر فقط على المرض الثاني.

و قد كان maxime rodinson هو من تحدّث عن مرض الشيزوفرينيا بالنسبة لمحمّد، و لكن و طلبا للموضوعيّة و النزاهة فإنّنا سنورد أيضا اعتراض  "مالك عبد النبيّ" على إصابة محمّد بالشيزوفرينيا، حتى نقدّم للقارئ جميع الأراء من المختصّين.

رأي مالك عبد النبيّ:

يتبع................


1-تاريخ الطبري/ص390
2-البداية و النهاية/ج3
3-المصدر السابق
4-تاريخ الطبري/ص390
5-http://fr.wikipedia.org/wiki/Schizophr%C3%A9nie
6-http://www.cmha.ca/bins/content_page.asp?cid=3-100&lang=2
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #8 في: 16/10/2009, 20:34:43 »

يقول مالك بن نبيّ:

إنّ مبدأ النبوّة يعرض نفسه بفضل شاهده الوحيد-النبيّ- بوصفه ظاهرة موضوعيّة مستقلّة عن الذات الإنسانيّة التي تعبّر عنه "1"

و يعطي أمثلة عن النبيّ إرميا (اختار إرميا لأنّه يعتمد على أبحاث MONTET التي خلصت إلى أنّ كتاب أرميا هو الكتاب الوحيد المثبت تاريخيّا و لا شكّ في أصالته من ضمن جميع أسفار الكتاب المقدّس)

هذه الصفات المميّزة، لا يمكن أن تلقى ببساطة تفسيرا نفسيّا، قائما على الحوادث التي تخضع لها ذات النبيّ، تلك الذات التي يبدو أنّها لا تبرز هنا إلاّ في مجرّد صورة مترجم مرهف الحسّ-متمنّع أحيانا- لظاهرة مستمرّة تلزمه بقانونها، كما ألزمت ذوات جميع الأنبياء، كما يثبت المجال المغناطيسي، اتجاه جميع الإبر الممغنطة.

فمن الصعب أن نفسر ظاهرة-هذا وصفها- تفسيرا ذاتيّا شخصيّا
. "2"

ثمّ يتكلّم عن محمّد قائلا:

(...)و مع ذلك ففي حوالي الأربعين نجده و قد شمله الهمّ و الألم أيضا، إنّه يشكّ!، إنّه لا يشكّ في وجود الله، فإنّ ثقته فيه لم تتزعزع أبدا.

و لكنّه يشكّ في نفسه هو!

(...) فنحن مضطرّون إلى أن نرى في هذا الشكّ نتيجة لحالة شخصيّة عارضة، وجد فيها النبيّ نفسه أمام مبادئ شعور*، و أمام استشعار لبعض الأشياء الغريبة تمسّ من قريب مصيره الخاصّ. (...) فلو قلنا أنّ ذلك من عمل اللاشعور فيجب أن نطبّق هذه القاعدة على تفسير مادّة القرآن كلّها و تفسير فكرته المتّصلة**، كما نفسر بها أيضا أعراض الظاهرة و طوارئها عند النبيّ، و لكن هذا-كما سنشير إليه فيما بعد- ليس أبدا ممكنا
."3"


*أعتقد أنّ المترجم و هو عبد الصبور شاهين، ترجم الكلمتين حرفيّا:principes de sensation إلى "مبادئ شعور" و معناها بعيد نسبيّا بالعربيّة و أقترح: أرضيّة نفسيّة حدسيّة.

** كذلك ، أعتقد الأصل الفرنسي ل "فكرته المتّصلة" هو: pensée continue و أقترح: فكرته المتتالية زمنيّا.


و على كلّ حال، فإنّ خلاصة القول هي أنّ مالك بن نبيّ يرى أنّ الوحي ظاهرة مستقلّة عن "الأنا" و ليس انقساما لها، و لا يمكن تفسيرها نفسيّا بل يجب ردّها إلى الظواهر الغريبة التي لا نملك لها تفسيرا ماديّا رغم وجودها اللاماديّ.

و في الحقيقة فإنّ هذه من تجلّيات النظرة المثاليّة للوجود بصفة عامّة(أي عكس الماديّة) و من روّاها على سبيل المثال أفلاطون و هيجل.

و لن ندخل في نقد هذه الفلسفة، أوّلا لأنّ ليس مقامها هنا، ثانيا هو أنّنا أيضا لا نتبنّى عدوّتها أي النظرة الماديّة في تفسير الوجود(و إن كنّا نستفيد من جدليّتها التاريخيّة الماركسيّة في هذه القراءة)

و تجدر الإشارة إلى أنّ محمّد أركون نعت هذا الكتاب (كتاب مالك بن نبيّ) بالهزيل و السطحيّ. "4"

يتبع......

..................................

1-الظاهرة القرآنيّة/دار الفكر المعاصر/بيروت/سنة 2000/ص 87

2-المصدر السابق/ص 99

3-المصدر السابق/ص 123-124

4- http://www.binnabi.net/?p=71
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #9 في: 16/10/2009, 20:35:58 »

في هذه الفترة المهتزّة و العصيبة، يشكّ محمّد في أنّه مجنون أو به جنّة، لا يستطيع فهم الحالة التي تعتريه، و بدأ في مرحلة انهيار عصبيّ حيث يقول محدّثا خديجة: "1"

قال: قلت إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبداً ! لأعمدن إلى حالقٍ من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن

إنّه يرى الموت حلاّ يستريح فيه من هذه التهيّؤات التي ازدادت حدّتها كثيرا في الآونة الأخيرة، فيرى مثلا جبريل في هيئة شخص عظيم جالس على كرسيّ في السماء، فيتسمّر في مكانه من الخوف، ثمّ يعود إلى بيته في حالة نفسيّة صعبة، حيث يقول "2"

قال: جاورت في حراء، فلما قضيت جواري، هبطت فاستنبطت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي، وخلفي وقدامي، فلم أر شيئاً، فنظرت فوق رأسي، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بين السماء والأض، فخشيت منه - قال ابن المثنى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو " فجئثت منه " - فلقيت خديجة، فقلت: دثروني، فدثروني، وصبوا علي ماءً

لكنّ خديجة تقوم بتجربة تثبت لمحمّد من خلالها أنّ ما يراه هو ملاك من السماء و ليس شيطانا و ليس تهيّؤات و هلوسات، و تطلب منه أن يثبت و تبشّره بالنبوّة: "3"

يا بن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني ، فقالت: نعم، فقم يا بن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، فتحسرت، فألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت: يا بن عم، اثبت وأبشر؛ فوالله إنه لملكٌ وما هو بشيطان

و هذا ورقة بن نوفل أيضا يبشّر محمّدا بالنبوّة، حيث يجده قرب الكعبة فيسأل ورقة محمّدا:"4"

فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالبيت، فقال: يا بن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه؛ ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصراً يعلمه. ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى منزله.

وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتاً، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم



و محمّد يبدأ في الإقتناع بأنّه نبيّ، و أنّ ما يراه هو حقيقيّ.

محمّد الآن هو: رسول الله.

و ابتداء من هذه القناعة ستبدأ الملحمة المحمّديّة، و تبدأ أضواء التاريخ في التركيز عليه، ستبدأ قصّة غيّرت مجرى التاريخ، قصّة تبدأ من بيت صغير في مكّة البطحاء، في الجزيرة العربيّة، في مكان صحراويّ جافّ في هذه الكرة الأرضيّة، لتمتدّ و تصل في سنوات (قليلة في عمر الشعوب) إلى حدود الهند شرقا و حدود فرنسا غربا.

ملحمة بأتمّ معنى الكلمة، سنرى فيها الدموع و الأفراح، الانتصارات و الهزائم، الزهد و الطمع، الجنس، القتل، الرحمة، المواقف المؤثّرة، فعلا لقد أبدع كتّاب السيرة!

يبدأ القرآن في النزول فيما بعد، و يقول محمّد:

بسم الله الرحمن الرحيم

فيقول قائل من قريش: "5"

دقّ فوك، إنّما تذكر رحمن اليمامة.

و قال آخرون:"6"

إنّما أخذ علمه من رحمن اليمامة.

و رحمن اليمامة هو مسيلمة بن حبيب الحنفيّ، المسمّى بمسيلمة الكذّاب، و يرى البعض أنّ مسيلمة ادّعى النبوّة قبل محمّد مستندين على قول قريش أعلاه حين ذكر محمّد اسم الرحمن، و هو اسم الإله الذي كان يدعو إليه مسيلمة، كما أنّه معروف في اليمن و شمال الجزيرة و عند المسيحيّين.

فلماذا نجح محمّد و لم ينجح مسيلمة؟

يقول المتنبّي:

إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم


و محمّد لا يقنع بما دون النجوم، فهو النبيّ الوحيد و المؤسّس و لا يحقّ لأحد مزاحمته في هذا الأمر، و سنرى -فيما بعد- كيف استطاع فعلا النجاح بذكائه و قدرته التكتيكيّة، و قد يرى البعض أنّه الحظّ فنقول كما قال صقر قريش عبد الرحمن الداخل متحدّثا عن نفسه: ليس الحظّ و السعد، بل العقل:

http://www.youtube.com/watch?v=GoccXZqB9cs

و نرى هنا المراسلة بين مسيلمة و محمّد بعد الهجرة:

من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله، أمّا بعد فإنّي قد أشركت معك في الأمر، و إنّ لنا نصف الأرض و لقريش نصفها، و لكنّ قريشا قوم يعتدون

فأجابه محمّد:

من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أمّا بعد، فالسلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورّثها من يشاء والعاقبة للمتّقين

نلاحظ هنا كيف يردّ مسيلمة الأمر بينه و بين محمّد بينما كيف يردّ محمّد الأمر إلى الله.

يتبع...

1-الطبري/تاريخ الرسل و الملوك/صفحة 391

2-المصدر السابق/392

3-المصدر السابق

4-المصدر السابق

5-عماد الصباغ/الأحناف/دار الحصاد/1998/ صفحة 43 عن جواد علي/الجزء السادس عن الروض الأنف.

6-المصدر السابق/صفحة 44
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #10 في: 16/10/2009, 20:38:36 »

يعتقد البعض أنّ محمّدا  في مكّة كان انطوائيّا و لا يملك الجرأة و كان لطيفا و رقيقا ثمّ فجأة تغيّر في المدينة و صار قائدا و مشرّعا يأتمر الجميع بأمره.
و هذا الإعتقاد لا يصمد أمام القراءة المتأنّية للسيرة التي تعطينا بعض ’’ الفلاشات’’ بين الفينة و الأخرى عن شخصيّته أثناء وجوده في مكّة.
كذلك فإنّ القرآن هو أيضا مرآة عاكسة للمتكلّم.

محمّد جريء و شجاع ’’1’’

حضرت قريشٌ يومًا بالحجر فذكروا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما نال منهم وصبرهم عليه فبينما كذلك إذ طلع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشى حتى استلزم الركن ثم مر بهم طائفًا فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه مثلها ثم الثالثة فقال‏:‏ أتسمعون يا معشر قريش والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح‏.‏
قال‏:‏ فكأنما على رؤوسهم الطير واقعٌ حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد‏
.

نلاحظ أنّ هذه الجماعة من قريش أصابها الفزع من قول محمّد ’’بالذبح’’ فصمتوا حتى كأنّ على رؤوسهم الطير و راحوا يرفؤونه بأحسن ما يجد أي يصفونه بالمآثر الحسنة و يسترضونه.
و ما كان يجرؤ على التهديد شخص ضعيف و انطوائيّ.

محمّد واثق من نفسه ’’2’’

وَذَكَرَ مَا أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ - وَاسْمُهُ أُبَيّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ وَقَدْ قِيلَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَتَانِ كَزَنَمَتَيْ الشّاةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ الزّنِيمُ الّذِي لَهُ زَنَمَتَانِ مِنْ الْبَشَرِ يُعْرَفُ بِهَا ، كَمَا تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ الزّنِيمَ الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُم

و عن هذه الآيات يقول ابن كثير في تفسيره :

والمراد به الأخنس بن شريق وقال مجاهد عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏الزنيم‏}‏ الملحق النسب، وقال سعيد ابن المسيب‏:‏ هو الملصق بالقوم ليس منهم، وسئل عكرمة عن الزنيم فقال‏:‏ هو ولد الزنا، وقال سعيد بن جبير‏:‏ الزنيم الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها، والزنيم الملصق، وقال الضحّاك‏:‏ كانت له زنمة في أصل أذنه، ويقال‏:‏ هو اللئيم الملصق في النسب، والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين الناس، وغالباً يكون دعياً ولد زنا

و على كلّ حال نحن لا يهمّنا من المقصود بهذه الآيات و إنّما نشير إلى أنّ محمّدا لا يتردّد في الردّ على خصومه و حتّى شتمهم كالآيات المعروفة في هجاء أبي لهب: تبّت يدا أبي لهب و تبّ.
و كذلك ردّه على الوليد بن المغيرة و هذا الرجل يُكنّى بـ’’الوحيد’’ لشرفه في قومه و معرفته بالأشعار و بالبلاغة و لنستمع للرواة : ’’3’’

ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش {...} قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة - قال ابن هشام : ويقال لغدق - وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته ..
فأنزل الله تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله: {...} إنّه فكّر و قدّر فقتل كيف قدّر ثمّ قتل كيف قدّر ثمّ نظر ثمّ عبس و بسر  ثمّ أدبر و استكبر فقال إن هذا إلاّ سحر يؤثر إن هذا إلاّ قول البشر سنصليه سقر


هذه الآيات تشير بوضوح إلى غضب محمّد حتى أنّه يكرّر مرّتين كلمة ’’ قتل كيف قدّر’’ هل هو الشعور بالاستفزاز أم هي ثقة محمّد العالية بنفسه و ببلاغته و التي أراد الوليد الطعن في مصدرها السماويّ؟
إنّهما الإثنان و كم هو مستفزّ و قاس على المرء أن لا تجد عبقريّته من يتجاوب معها و يهلّل لها خاصّة إذا كان واعيا بقدراته و عزائمه و يا لهؤلاء القوم الذين لم يدركوا بعد ماذا يمكن أن يفعله هذا الرجل اليتيم الذي بين أظهرهم حتى أنّه بكى حين شعر مرّة أو اعتقد بخذلان عمّه أبي طالب له و ذلك حين جاءت قريش إلى عمّه للحديث في دعوة محمّد :’’4’’ حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي ، إن قومك قد جاءوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه . قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته قال ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي ، قال فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يا ابن أخي ، فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا .’

و كيف لا يبكي و هو يقول لهم حين اجتمعت قريش أثناء وفاة أبي طالب: ’’5’’

كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب ، وتدين لكم بها العجم

انظروا إلى هذا الطموح ! إنّ يعي بقدراته و بالأوضاع السائدة و الظروف المواتية و يعدهم ليس بحكم العرب فقط بل و العجم أيضا و هذا كلّه و هو ما زال نبيّ مجموعة صغيرة  لا تكاد تُذكر.

و  يرسل محمّد بعثة إلى الحبشة { ما نسمّيه في عصرنا اليوم : طلب اللجوء السياسي} و لنا أن تساءل عن أسباب اختياره لهذه البلاد بالذات؟
هل كان يجسّ النبض ليرى كيف يتقبّل غير العرب دعوته؟ ثمّ أصلا لماذا هاجروا إلى الحبشة؟
الجواب: إنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد. و لكي يتخلّص المسلمون من تعذيب قريش لهم.
جواب جميل  و لكن... نرى في هؤلاء المهاجرين أسماء لا يمكن أن يتعرّضوا للتعذيب ’’ إن وجد حقّا هذا التعذيب’’, و معروفين إمّا بشجاعتهم  أو بشرفهم في قومهم, فالزبير بن العوام مثلا كان رجلا شجاعا , طويلا  و فارسا ’’6’’ {و بالمناسبة هو ابن أخ خديجة}  و على كلّ حال فإنّ تجربة الحبشة هذه لم تأت بنتيجة أو كانت دون المأمول و قد ذهب بعض المستشرقين ’’7’’ إلى أنّ الغرض من هذه الهجرة كان سياسيّا و دينيّا في آن بسبب تغيّر موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط سنة 614 ميلادي و هزيمة الروم أمام الفرس و رغبة محمّد في عقد حلف مع النجاشيّ في إطار مشروع توسّعيّ, لكنّنا لن نتوقّف عند هذا الطرح لاعتماده على الفرضيّات أوّلا و لعدم وجود نتيجة ملموسة من هجرة ’’أو هجرات’’ الحبشة ثانيا.
طبعا لن يظلّ محمّد جالسا مكتوف الأيدي يقرأ قرآنه على الذاهب و الراجع و يتعرّض للسخريّة و الاستهزاء خاصّة بعد وفاة أبي طالب الذي كان يحميه, فقام بخطوة جريئة و هي طلب المعونة و الحماية من ثقيف في الطائف.
و أقول خطوة جريئة لأنّ حرب الفجّار بين قريش و حلفائها و بين قيس عيلان و حلفائها من ثقيف لم يكن قدّ مرّ عليها زمن طويل بل أنّ محمّدا نفسه شارك فيها ضدّ ثقيف حين كان له 15 عاما من العمر لكنّهم ردّوه و سخروا منه { هل ما زالوا يتذكّرون الحرب الماضية؟} : ’’9’’ فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاهم إلى الله ، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام ، والقيام معه على من خالفه من قومه ؛ فقال له أحدهم ‏‏:‏‏ هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ؛ وقال الآخر ‏‏:‏‏ أما وجد الله أحدا يرسله غيرك ‏‏!‏‏ وقال الثالث ‏‏:‏‏ والله لا أكلمك أبدا ‏‏.‏‏ لئن كنت رسولا من الله كما تقول ، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ، ما ينبغي لي أن أكلمك ‏‏.‏‏ فقام رسول الله صلى عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم - فيما ذكر لي - ‏‏:‏‏ إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغَ قومَه عنه ، فيُذْئِرهم ذلك عليه

يذئرهم عليه أي يثيرهم عليه ممّا دفع محمّدا أن يطلب منهم كتمان أمر مجيئه إليهم و طلب النصرة منهم, و كيف لا و هو ذهب يطلب الحماية من الخصوم فبأيّ وجه سيقابل قومه ؟ خاصّة بعد تعرّضه للصدّ من هؤلاء الخصوم و أصبح موقفه محرجا جدّا أمام قومه الذين قد يتّهمونه بالخيانة و التحالف مع العدوّ. لذلك طلب من سادة الطائف ألاّ يخبروا أحدا و لكنّهم طبعا نشروها بين الجميع و انتقل الخبر إلى مكّة بطبيعة الحال.

ربّما هذه من الأخطاء التي سيتعلّم محمّد منها كثيرا كما سنرى فيما بعد , و لكلّ جواد كبوة.

يتبع......‏‏.
............................................................

 1-الكامل في التاريخ/ابن الأثير/الجزء الأوّل
و راجع أيضا:  المنتظم في التاريخ/ابن الجوزي/الجزء الثاني
و أيضا: سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
و أيضا : البداية و النهاية/ ابن كثير/ الجزء الثالث
و أيضا: الرحيق المختوم/المباركفوري/ فصل ما لقي النبيّ من قومه
و أيضا : مسند الإمام أحمد/المجلّد الثاني/ عن عمرو بن العاص

2-الروض الأنف/السهيلي/الجزء الثاني
و تفسير ابن كثير/سورة القلم
و البخاري لا يحدّد الشخص و إنّما يقول نزلت في رجل من قريش في صحيحه : الرقم [ 4633 ]
حدثنا محمود حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما
{ عتل بعد ذلك زنيم }
قال رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة


3-سيرة ابن هشام/الجزء الأوّل
4-المصدر السابق
5-المصدر السابق
و راجع أيضا ابن كثير /البداية و النهاية/ الجزء الثالث
و أيضا مسند الإمام أحمد/ الجزء الأوّل
و أيضا  المستدرك للحاكم /الجزء الثاني

6-سير أعلام النبلاء/ الذهبي/ فصل الزبير بن العوام
7-joseph birtuel/mahomet contre enquete/طبعة 2006/صفحة 232-233
8-البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثاني يقول : ’’ كنت أنبل عن أعمامي’’ أي كان يردّ النبال عنهم.
9-سيرة ابن هشام/ الجزء الثاني
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #11 في: 16/10/2009, 20:41:51 »

قامت قريش بمقاطعة بني هاشم و انشقّ أبو لهب عنهم و تضامن مع قريش { هذه المقاطعة التي قامت بها قريش هي ما تسمّى اليوم بالمقاطعة الإقتصاديّة أو الحصار الإقتصادي}  و نلاحظ دائما عدم الذهاب إلى الخيارات الحربيّة من طرف قريش أو على الأقلّ القيام ببعض الاغتيالات السياسيّة كاغتيال محمّد مثلا من طرف مجهول خاصّة أنّه يتجوّل وحيدا بلا حماية شخصيّة في مكّة , و هناك طرق كثيرة للتخلّص من حقّ الثأر و تفريق دمه, لا تغيب عن أذهان سادة قريش  خاصّة إذا تعلّق الأمر بالإقتصاد المكّي و اعتبار قريش محمّدا يهدّد حياتها الماليّة و ربّما الإجتماعيّة, و لكن رغم ذلك فأقصى ما كان من المضايقات هو شتم أبي جهل له و التحرّش به جسديّا دون الوصول إلى القتل, و حتّى تدخّل حمزة و اعتدائه على أبي جهل كان قد يؤدّي إلى حرب قبليّة : ’’1’’

كان واعية أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة ، فجلس معهم .

الغريب أنّ محمّدا لم يردّ على أبي جهل و هذا الأمر يظلّ نقطة استفهام , و عاد محمّد دون أن يقول شيئا رغم أنّ ابن هشام يروي رواية عن رجل سلبه أبو جهل فاشتكى هذا الرجل لمحمّد فأخذ محمّد حقّه له من أبي جهل, و على كلّ حال فالتضارب في السيرة ليس جديدا و علينا محاولة ربط الأحداث و تفهّم المنطلقات الدينيّة لهؤلاء الموظّفين عند الخليفة أثناء كتابة السيرة.
و كان بعد هذه الحادثة بين محمّد و أبي جهل أنّ حمزة كان عائدا من الصيد فأخبرته امرأة بما حدث:’’2’’ قالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فرد ذلك علي إن استطعت . فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا


نلاحظ أنّ رجالا من بني مخزوم قاموا لمساندة أبي جهل و لكنّه طلب منهم عدم التدخّل.

قلنا إذن أنّ قريشا قاطعت بني هاشم  ثمّ تمّ نقض هذه الصحيفة من طرف خمسة رجال منهم رجل من بني مخزوم قريب لأبي جهل و هو زهير بن أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
نعود إلى حكاية رفض بني ثقيف لمحمّد في الطائف, كيف يستطيع العودة إلى مكّة و هو الذي ذهب يطلب التحالف مع خصوم قومه؟
طبعا لن يستطيع العودة, فذهب إلى غار حراء و أرسل إلى الأخنس بن شريق يطلب أن يجيره و يحميه عند الدخول إلى مكّة { هذا الأخنس هو الذي هجاه محمّد في القرآن بالعتل و الزنيم} و لنستمع لابن هشام : ’’3’’

لما انصرف عن أهل الطائف ، ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، من تصديقه ونصرته ، صار إلى حراء ، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره ، فقال ‏‏:‏‏ أنا حليف ، والحليف لا يجير ‏‏.‏‏ فبعث إلى سهيل بن عمرو ، فقال ‏‏:‏‏ إن بني عامر لا تجير على بني كعب ‏‏.‏‏ فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك ، ثم تسلح المطعم وأهل بيته ، وخرجوا حتى أتوا المسجد ، ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت وصلى عنده ، ثم انصرف إلى منـزله

بسبب عدم قدرته على العودة إلى مكّة فإنّنا نلاحظ أنّ المكان  الذي ذهب إليه محمّد هو غار حراء { هل هو البحث عن حماية غيبيّة في المكان الذي حدثت له فيه تلك التجربة العنيفة في أحد الليالي منذ سنوات؟} و بعد رفض الأخنس حمايته و كذلك سهيل بن عمرو فإنّ المطعم بن عديّ قبل بذلك و حماه أثناء دخوله إلى مكّة.
و سهيل بن عمرو هو نفسه الذي سيكتب الهدنة فيما بعد بين المسلمين و قريش أثناء غزوة الحديبيّة  و كان شريفا و خطيبا  و هو من قريش الظواهر أين كانت تسكن بني عامر بن لؤيّ : ’’3’’ ’’ قريش البطاح بنو كعب بن لؤي وقريش الظواهر ما فوق ذلك سكنوا البطحاء والظواهر روقبائل بني كعب هم عدي وجمح وتيم وسهم ومخزوم وأسد وزهرة وعبد مناف وأمية وهاشم كل هؤلاء قريش البطاح وقريش الظواهر بنو عامر بن لؤي يخلد بن النضر والحارث ومالك وقد درجا والحارث ومحارب ابنا فهر وتيم الأدرم بن غالب بن فهر وقيس بن فهر درج وإنما سموا بذلك لأن قريشا اقتسموا فأصابت بنو كعب بن لؤي البطحاء وأصابت هؤلاء الظواهر فهذا تعريف للقبائل لا للمواضع فإن البطحاويين لو سكنوا بالظواهر كانوا بطحاويين وكذلك الظواهر لو كانوا سكنوا البطحاء كانوا ظواهر وأشرفهم البطحاويون’’

و السؤال هنا : لماذا لم يطلب محمّد حماية أحد أقاربه؟ أين حمزة مثلا؟  أم أنّه لا يجرؤ طلب هذا منهم بعد الذي فعله؟

و مطعم بن عديّ الذي أجار محمّد {جدّه نوفل هو أخو هاشم جدّ محمّد} كان أيضا من الرجال الخمسة الذين نقضوا صحيفة الحصار التي تحدّثنا عنها أعلاه و قد مات هذا الرجل دون أن يسلم بينما ابنه جبير أسلم بعد الفتح.و سنعود لهذا الإسم لاحقا لأنّه ذهب يطلب إطلاق سراح بعض الأسرى  بعد معركة بدر و لكنّ محمّد رفض.

أرجو أن لا يشعر القارئ الكريم بالملل لإفراطي أحيانا في الحديث عن نسب شخصيّة ما و كيفيّة تفاعلها مع شخصيّة البطل الرئيسيّة {محمّد} و لكنّي أتعمّد ذلك لتتوضّح لنا الرؤية أكثر و نرى كيفيّة بناء الأشخاص و نفسيّاتهم في هذه السيرة المحمّديّة و التي هي في الأخير عمل أدبيّ له أهدافه و أسبابه الدينيّة  و يخضع ككلّ عمل أدبيّ إلى ترابط دراميّ بين الشخصيّات التي تدور حول البطل.

نعود إلى الموضوع:
نشير إلى أنّ هناك نفرا من الجنّ آمنت بمحمّد بعد خروجه من الطائف ’’4’’, و لا تخفى علينا طبعا الحالة النفسيّة التي سيكون عليها  محمّد بعد أن طلعت حساباته خاطئة مع بني ثقيف, و نرجّح أنّه كان صادقا في اعتقاده بأنّ الجنّ آمنت به فهي حالة دفاع في اللاوعي أو تصعيد حسب تعريف ’’فرويد’’ و كأنّه يقول إن كانت البشر لا تؤمن بما أقول فها هي الجنّ آمنت بي و هي تعرف الغيب أكثر منكم.

و يبدأ محمّد في الاتّصال بالقبائل الأخرى  فعرض نفسه على كندة فرفضوا: ’’5’’

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ حدثنا ابن شهاب الزهري ‏‏:‏‏ أنه أتى كندة في منازلهم ، وفيهم سيد لهم يقال له ‏‏:‏‏ مُليح ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فأبوا عليه

و بني كلب فرفضوا: ’’6’’

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حصين ‏‏:‏‏ أنه أتى كلبا في منازلهم ، إلى بطن منهم يقال لهم ‏‏:‏‏ بنو عبدالله ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول لهم ‏‏:‏‏ يا بني عبدالله ، إن الله عز وجل قد أحسن اسم أبيكم ، فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم ‏‏

و بني حنيفة شتموه ’’7’’

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني بعض أصحابنا عن عبدالله بن كعب بن مالك ‏‏:‏‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فلم يكن أحد من العرب أقبح عليهم ردا منهم

و بني عامر عرفوا قدراته و اقترحوا أن يكون لهم الحكم بعده فرفض فرفضوا ’’8’’

قال ابن إسحاق ‏‏:‏‏ وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه ، فقال رجل منهم - يقال له ‏‏:‏‏ بَيْحرة بن فراس ‏‏.‏‏ قال ابن هشام ‏‏:‏‏ فراس بن عبدالله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة - ‏‏:‏‏ والله ، لو أني أخذت هذا الفتى من قريش ، لأكلت به العرب ، ثم قال ‏‏:‏‏ أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ‏‏؟‏‏ قال ‏‏:‏‏ الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء ؛ قال ‏‏:‏‏ فقال له ‏‏:‏‏ أفتُهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ‏‏!‏‏ لا حاجة لنا بأمرك ؛ فأبوا عليه

إلى أن التقى بوفد من أهل المدينة و هنا سيأخذ محمّد انطلاقة جديدة و دعم جديد و مجال حرّيّة أكبر و لكن ليكذب علينا كتّاب السيرة أيضا أكبر كذبة في التاريخ المحمّديّ.

يتبع.........

1-ابن هشام/الجزء الثاني
2-المصدر السابق
3-ياقوت الحموي/معجم البلدان/باب الباء و الطاء
4-ابن هشام/الجزء الثاني
و راجع أيضا: السيرة الحلبيّة/ باب خروج النبيّ إلى الطائف
و راجع أيضا : البداية و النهاية/ابن كثير/ الجزء الثالث
حيث يقول برهان الدين الحلبي : فلما انصرف رسول الله من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلي من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله حتى نزل عليه {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} هذا كلامه، ونزول ما ذكر كان بعد انصرافهم.
فقد قال ابن إسحاق «فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا به وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله تعالى خبرهم على النبي »


5-ابن هشام/الجزء الثاني
6-المصدر السابق
7-المصدر السابق
8-المصدر السابق
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #12 في: 16/10/2009, 20:44:52 »

بدءا من الآن سيُكثر كتبة السيرة من ’’الماكياج’’ أو بالأحرى إعطاء المعلومة المضادّة و سنبدأ في قراءة ما بين السطور بأكثر حذر و انتباه.
أقول من الآن لأنّ كلّ الأضواء { أضواء السيرة}  بدأت تشتدّ ناحية شخصيّة البطل { محمّد} لتزداد إشعاعا عليه بعد الهجرة و حتّى وفاته, فالفترة المكّيّة كانت قليلة المعلومات و ضبابيّة قليلا فلم يلزم الأمر الكثير من بعض التحسينات و التزيينات هنا و هناك و كذلك بطبيعة الحال اختلاق بعض الروايات الجميلة و المعبّرة.
أمّا الفترة المدنيّة فقد كانت أكثر وضوحا بما أنّ البطل صار مشهورا , و لا يمكن بل من المستحيل نفي العديد من الروايات لانتشارها و معرفة الناس بها , و إنّما أحسن شيء هو تأويلها و تزيينها و على أقصى تقدير اختلاق روايات معارضة لها { بالسند طبعا}
و سأعتمد في هذا الفصل على سيرة ابن هشام و سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي فقط.

قلنا إذن يلتقي محمّد بوفد { ستّة أشخاص} من يثرب جاؤوا إلى مكَة في موسم الحجّ و هم كلّهم من الخزرج.
فآمنوا به و صدّقوه و عادوا إلى يثرب مسلمين.
في الموسم الذي يليه يلتقي باثني عشر شخصا جاؤوا من المدينة فبايعوه و آمنوا به و حين عادوا إلى يثرب أرسل معهم أحد الرجال { مصعب بن عمير} يعلّمهم الدين فكان إمامهم هناك لفترة. سمّيت هذه البيعة {بيعة النساء}  و كانوا تسعة من الخزرج و ثلاثة من الأوس.
في الموسم الذي يليه جاء بضع و سبعون رجلا و بايعوه و سمّيت هذه البيعة { بيعة الحرب} حيث تعاهدوا على الحرب  ثمّ عادوا إلى المدينة و آمن أغلب من كان فيها حتى أنّ محمّدا حين جاءها مهاجرا استقبلوه استقبال الأبطال و كلّ عائلة تريده أن ينزل عندها.

جميلة جدّا هذه الحكاية أليس كذلك؟
و لكن للأسف تشكو من ضعف كبير و هو : إسقاط صورة البطل الأسطوريّة  المتأخّرة على واقعه المعاصر له.
و علينا أن نفهم الأوضاع أوّلا لتتوضّح لنا الرؤية أكثر:

يثرب:

مدينة يثرب ’’في ذلك الوقت’’ هي مدينة كبيرة يتراوح عدد سكّانها بين عشرة آلاف و ثلاثين ألف ساكن, و تتميّز بالموقع الملائم لوقوعها قرب الطريق التجاريّة الكبرى و أرضها ذات التربة الجيّدة و المياه و الآبار و الجداول المنتشرة بها.
يقوم اقتصادها على الزراعة { أوّل منتج للتمور و تبيع لكلّ البلدان بما فيها مكّة} و كذلك الخضروات و القمح , و في المرتبة الثانية نجد التجارة و المهن الحرّة اليدويّة و صناعة السلاح. و بعد الحروب المتتالية بين الأوس و الخزرج و تحالف اليهود حينا مع هذا و حينا مع ذاك فإنّ الحصيلة و بإيجاز:
الأوس هم المنتصرون في آخر حرب مع الخزرج.
اليهود يمثّلون قوّة اقتصاديّة هائلة و لهم ثقلهم و وزنهم في المدينة.
الأوس و الخزرج يمثّلون قوّة سياسيّة و حربيّة.
و الآن نتساءل:
ماذا كان دور اليهود في هذه المفاوضات بين محمّد و الوفود القادمة من يثرب؟

احتمال1: اليهود لم تكن تعرف شيئا و تمّت البيعة و جاء محمّد إلى المدينة و وجدوا أنفسهم أمام الأمر الواقع { غير ممكن}

احتمال2:اليهود كانت تعرف و لكنّها تجاهلت الأمر و لم تعطه اهتماما { غير ممكن فالقادم سيأتي كحاكم و مشرّع و من الطبيعي أن يعرفوا من يكون خاصّة أنّه  تمّت مبايعته على الحرب من قبل الهجرة}

احتمال3:اليهود لم توافق و تمّ اجبارها على القبول أو تمّ تجاهل رأيها المعارض { غير ممكن، و إلاّ ما ضيّع كتبة السيرة هذه الفرصة التي تضع اليهود في موقف العدوّ منذ البداية –كبداية تبرير منهجيّ لإجلائهم فيما بعد و قتلهم- }

احتمال4:اليهود كانت تعلم و وافقت على مجيء محمّد { لماذا وافقت؟ = هل رأت أنّ نبيّا يذكر موسى في العديد من آيات قرآنه و يصلّي مثلهم نحو بيت المقدس و يدعو إلى عبادة إله واحد من المفيد أن يكون موجودا لإعطائهم أيضا ثقلا دينيّا توحيديّا  ؟ لكن اليهود لم يحاولوا أبدا نشر ديانتهم و يعتبرونها حكرا عليهم فقط بوصفهم الشعب المختار. لا ندري فعلا السبب في موافقتهم على مجيء محمّد بل و ربّما دعمه  و إنّما الواضح أنّه كان لهم دور في هذا و عدم ذكرهم في السيرة يبدو متعمّدا لأنّه يجب أن يكونوا أشرارا دائما, حسب التوجّه الإيديولوجي في السيرة}

سؤال آخر:
لماذا بايع أهل المدينة محمّدا؟
أوّلا إنّ الروايات التي تقول بإيمان كلّ أو اغلب يثرب هي طبعا غير صحيحة و إلاّ لما خرج معه في بدر 300 شخص تقريبا من مدينة تُعدّ بالآلاف, هذا دون حساب عدد المهاجرين و من آمن من القبائل الأخرى لينخفض عدد الأنصار كثيرا في غزوة بدر.
إذن إنّ الذين اتّبعوا محمّدا كانوا قلّة و لكن لماذا؟

احتمال1: كانوا مشركين و وجدوا الحقّ أخيرا فدخل قلوبهم { احتمال ضعيف, و إلاّ لماذا لم يتهوّدوا أو يتمسَحوا أو يصبحوا مانويّين بما أنّ ماني كان مصدّقا للتوراة و الإنجيل و خاتما للرسل, قبل أن يسلموا؟ }

احتمال2: كانوا يعتبرون الديانة التوحيديّة أحسن من الشرك و كانوا يشعرون بعقدة نقص تجاه اليهود { هذا أيضا ما نفهمه من سياق الكلام في السيرة و لكنّه احتمال ضعيف فلم تكن الديانة تمثّل لهم هاجسا يصلون به إلى الشرف بل كانت الفروسيّة و الشعر و الحماسة , كما أنّ الديانة التوحيديّة ليست متفوّقة على دياناتهم –في مفهومهم- و لنا أن نأخذ مثالا الهنود الحمر الذين لم يشعروا بأيّة عقدة نقص تجاه المسيحييّن أثناء غزو امريكا و لم يؤمنوا طبعا إلاّ تحت حدّ السيف و الإبادة}

احتمال3: كان رجلا عظيما فآمنوا به { احتمال ضعيف. فمحمّد كان بمثابة المطرود من قومه و يتعرّض إلى القبائل في مواسم الحجّ في مكّة لينصروه و يحموه , و قومه لا تفتأ تسخر منه بل و تحتقره – كقول القرآن حين كانوا يهزؤون من محمّد: أهذا الذي بعث الله رسولا- كما أنّ محمّدا لم يكن معروفا بالفروسيّة و الشجاعة أو بمآثر الشرف كجدّه هاشم أو قصيّ مثلا , بل مجرّد شخص يقول كلاما جميلا و بليغا و يدّعي أنّه جاءه من السماء –كما ادّعى من قبله أو في عصره  كمسيلمة- }

احتمال4: بايعه فقط قلّة قليلة { أغلبها من الخزرج} و هذه القلّة هي التي آوته في المدينة و لم تكن ذات سلطة سياسيّة لتفرضه بالقوّة كما أنّه من غير المعقول بل من المستحيل أن يذهب الأوس و الخزرج و اليهود للبحث عن رجل ليس منهم يحكمهم , كما أنّ هذا الرجل أصلا محلّ استهزاء من قومه.

و ما يؤيّد هذا الإحتمال هو حالة الفقر الشديد التي كانت عليه هذه المجموعة في المدينة في البداية { أي محمّد و أتباعه} و لنستمع للحافظ الذهبي في سير الأعلام و النبلاء / باب مصعب بن عمير : ’’ كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا’’
فالرجل هنا يكاد يموت من الجوع , و ثروة أبو بكر ذهبت و لم يبق منها إلاّ القليل , و لو كان محمّد هو حاكم المدينة منذ وصوله لما وصل متّبعوه إلى هذه الحالة, فكان لابدّ من التحرّك و إيجاد حلّ و إلاّ فإنّ هذه الدعوة لن تدوم, يجب إيجاد المال.
إذن ما الحلّ؟ الحلّ الذي اختاره محمّد هو الغزو { تحت غطاء إلهيّ} فخرج في أوّل غزوة له إلى قبيلة بني ضمرة فلم يفعل شيئا و عاد بخفّي حنين إلى المدينة, ثمّ أرسل عبيدة بن الحارث مع ثمانين شخصا {لاحظوا:  لا يوجد فيهم أحد من الأنصار } إلى قافلة كبيرة من قريش فضُرب سعد بن أبي وقّاص بسهم و عادت هذه البعثة دون أن تفعل شيئا لعدم تكافئ القوى, ثمّ أرسل حمزة مع ثلاثين رجلا { لاحظوا: لا يوجد فيهم أحد من الأنصار}  إلى قافلة قرب البحر يقودها أبو جهل مع ثلاثمائة رجل و طبعا عادوا دون فعل أيّ شيء فالقوى غير متكافئة, كلّ هذا و الأمور تسوء في المدينة و الفقر يزداد فخرج محمّد بنفسه في غزوة أخرى إلى قافلة قرب مكان اسمه بواط , و لم يفعل شيئا و عاد إلى المدينة و كذلك خرج إلى غزوة العشيرة و إلى أرض الخرّار و إلى بئر صفوان و كلّها كانت بلا فائدة.
سبع غزوات أو محاولة غزوات كانت كلّها بلا فائدة, و أتباع محمّد يتضوّرون من الجوع و الأمور من سيّئ إلى أسوء فقام محمّد بعمليّة اهتزّت لها المدينة.
إنّها الحاجة و الفاقة, فلا أخلاق أو أعراف أو تقاليد, فماذا فعل؟
ما أن عاد محمّد من المحاولة الفاشلة لغزوة صفوان الأخيرة حتى أعطى لعبد الله بن جحش كتابا مغلقا و طلب منه الاّ يقرأه إلاّ بعد مسيرة يومين و أرسل معه ثمانية أشخاص { لاحظوا : لا يوجد فيهم أحد من الأنصار} و كان في هذه الرسالة السرّيّة أن يرصد قافلة لقريش ستعبر قرب نخلة بين مكّة و الطائف و يغير عليها { طبعا من المستحيل أن يذكر ابن هشام كلمة ’’ و يغير عليها’’ و إنّما قال: ’’ جاء في الرسالة : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكّة و الطائف فترصّد بها قريشا و تعلّم لنا من أخبارها’’ و لا أدري ماذا ذهب يفعل هؤلاء الرجال هل ليشاهدوا قافلة عابرة من هناك –رغم علمهم أصلا بوجودها – ثمّ يعودوا إلى المدينة و يقولوا لمحمّد : يا رسول الله لقد رأينا قرب نخلة قافلة ’’ فيقول لهم محمّد ’’ بارك الله فيكم على المعلومة’’ , إنّ الرسالة كانت تحتوي أمرا بالإغارة كما أنّ السريّة التي اتّبعها محمّد تفضح كلّ ذلك }
قد يقول قائل: و ما المشكل هنا؟ ألم يخرج من قبل للإغارة أيضا ؟
المشكلة: إنّه الشهر الحرام.
فالقوافل تمرّ آمنة أثناء هذا الشهر.
إذن حين علمت البعثة بهذا الأمر تخلّف اثنان من هذه المجموعة { على أساس أنّهما  فقدا بعير لهما و لكن ربّما هي صحوة الضمير}  بينما قال عبد الله بن جحش { قد نهاني –أي محمّد – أن أستكره منكم أحدا فمن كان منكم يريد الشهادة و يرغب فيها فلينطلق, و من كره ذلك فليرجع} طبعا فالأمر دقيق فمن ناحية يُطلب منهم الإغارة في الشهر الحرام و من ناحية اخرى يلزمهم أن يتحصّلوا على المال أو الغنيمة بسبب الفقر, و في الأخير حزموا أمرهم و انطلقوا.
فحلق اشرف بن عكاشة رأسه و اشرف على القافلة { كانت متكوّنة من 4 أشخاص, أي قافلة صغيرة تحمل بعض الزبيب و الجلد و بعض الأشياء الأخرى} و حين رأوه اطمأنّوا له و اعتبروهم ذاهبين في عمرة إلى مكّة, و حين أمنت لهم القافلة انقضّوا عليها { القوى غير متكافئة+ الغدر و الهجوم الخاطف} فقتلوا شخصا و أسروا شخصين و فرّ منهم الرابع.
و كانت الفضيحة.
اهتزّت قريش من ناحية حين بلغها الشخص الهارب و اهتزّت المدينة فما كان من محمّد إلاّ ان أنكر و قال ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ثمّ و كملاحظ دقيق { و هذه من إحدى ميزاته} بقي يقيس الأمور ليرى طبعا ردّة الفعل من كلّ الأطراف و بعد مدّة حزم أمره { فعلى كلّ حال يلزمهم تقاسم تلك الغنيمة التي ظلّت معلّقة منذ جاؤوا بها} فجاء هنا دور القرآن ليشرّع العمليّة و من ثمّة أخذ محمّد الخمس:

يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير

يتبع.......
سجل
الغريب بن ماء السماء
عضو برونزي
****
غير متصل غير متصل

رسائل: 204


ها هنا قمر من غبار


الجوائز
« رد #13 في: 16/10/2009, 21:21:13 »

أعزّائي الكرام:

commandante cheguevara
ELSHEFA
ebnelrawende

zoro22

شكرا لكم على المتابعة و تنويركم للمكان و تقبّلوا هذه:  Rose Rose Rose Rose

كنت قد بدأت هذا الموضوع في اللادينيّين و سأنشر ما كنت قد بدأته ,هنا, ثمّ أواصل البقيّة على مهل.

..........................................................................

قبل أن نواصل مع بداية الغزوات و حياة محمّد في المدينة فإنّه يجدر بنا أن نتوقّف قبل ذلك عند الكتاب الذي كتبه محمّد في يثرب حال وصوله, و الذي يسمّيه الدارسون اصطلاحا: معاهدة المدينة.
و هو نصّ طويل و قد قمت بتبويبه إلى فصول و ترقيمه و لا أدري إن قام أحد قبلي بهذا العمل في العربيّة [ صاحب الفكرة الأوّل هو wensinck سنة 1908] و قد رأيت أنّها فكرة جيّدة و أسهل في القراءة.
كلّ المستشرقين تقريبا [على حدّ علمي] يرون أنّ هذا النصّ تمّت كتابته أثتاء حياة محمّد و يعتبرونه أقدم نصّ وصلنا منه, دون اعتبار القرآن.

النصّ:
ابن هشام/الجزء الثالث/باب هجرة النبيّ:

1- بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، بين ‏المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم

2- إنهم أمة واحدة من دون الناس

1-3 المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين

2-3 وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين

3-3 وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين

4-3 وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين

5-3 وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
 
6-3 وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
 
7-3 وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين

8-3 وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين
 
9-3 وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين

4-وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه

5- وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين

6- وإن أيديهم عليه جميعا ، ولو كان ولد أحدهم
 
7- ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن

8- وإن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم

9- وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس

10- وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة ، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم
 
11-وإن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم
 
12- وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضا

13- وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله

14-وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه

15- وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن

16- وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول
 
1-16 وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه

17- وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الآخر ، أن ينصر مُحْدثا ولا يُؤويه

1-17 وأنه من نصره أو آواه ، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ‏ولا عدل

18-وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم

19- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين

20- وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسه ، وأهل بيته
 
1-20وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف

2-20 وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف

3-20 وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف

4-20وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف
 
5-20 وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف

6-20وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف ؛ إلا من ظلم وأثم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته
 
7-20 وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم

8-20 وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوف
 
9-20 وإن البر دون الإثم

10-20وإن موالي ثعلبة كأنفسهم
 
11-20 وإن بطانة يهود كأنفسهم

1-11-20وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم

21-وإنه لا ينحجز على نار جرح
 
22- وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم

23- وإن الله على أبر هذا

24-وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم
 
1-24 وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة

2-24 وإن بينهم النصح والنصيحة ، والبر دون الإثم

25- وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه

26- وإن النصر للمظلوم

27- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين

28- وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة

29-وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا آثم

30- وإنه لا تجُار حُرمة إلا بإذن أهلها
 
31- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخُاف فساده ، فإن مرده إلى الله عز وجل ، ‏وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
 
32- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره

33- وإنه لا تجُار قريش ولا من نصرها
 
34- وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه
 
1-34 وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلَهم

35- وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة ‏‏.‏‏ مع البر المحسن  من أهل هذه الصحيفة ‏‏.
‏‏
36-وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه

37- وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره
 
38- وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم
 
39- وإنه من خرج آمنٌ ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم أو أثم
 
40- وإن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذا هو الكتاب أو المعاهدة و قد قسّمته إلى أربعين فصلا.
الفصول من 3-1 إلى 3-9 تذكر القبائل الحاضرة في هذا الحلف.
من 4 إلى 18 تنظّم القوانين الداخليّة في حاليْ الحرب و السلم.
من 19 إلى 20 و 24 و 27 و 35 يذكر القبائل اليهوديّة الحاضرة.
و البقيّة تذكير و تأكيد على ضرورة احترام هذه المعاهدة.

لكن!
هناك شيء غريب.
أين بنو قريظة و بنو النضير و بنو قينقاع؟
كيف ينسى أن يذكرهم و لهم ما لهم من ثقل اقتصاديّ و تجاريّ في يثرب؟
الجواب واضح: لم يكونوا موجودين في المدينة!

فهذه المعاهدة كُتبت بعد نفيهم و قتلهم و بالتالي لا داعي لذكرهم.
و هو ما يؤكّد ما ذهبنا إليه إلى أنّ محمّدا حين وصل إلى يثرب لم يكن ذلك المشرّع و الحاكم بل تمّ استقباله من طرف عصبة قليلة و لم يبلغ ما بلغه فيها إلاّ بفضل الغزوات الناجحة التي جعلت العديد ينضمّون إلى عصابته و بدأ جيشه يكبر رويدا رويدا إلى أن أجلى قبائل اليهود الثلاث فيما بعد و صار هو الحاكم و المشرّع و بالتالي كتب هذه المعاهدة و لم يكن يستطيع كتابتها حال وصوله.
و السيرة العربيّة جعلت هذه المعاهدة تُكتب في البداية لكن و كما نرى نرجّح أنّها كتبت بعد قتل و نفي اليهود.
و يبدو أنّي أستبق الأحداث كثيرا لذلك سأعود إلى مكّة لأتعرّض لحادثتي الإسراء و فداء عليّ له بنفسه ثمّ نعود مرّة أخرى إلى المدينة.

يتبع.....
سجل
أشمون
عضو ناشط
***
غير متصل غير متصل

الجنس: ذكر
رسائل: 189


أشهد أن لا إله ولا الله ..


الجوائز
« رد #14 في: 16/10/2009, 23:00:23 »

تحليل عميق وجميل .. استمتعت بالقراءة ومتابع للمزيد ..

كنت قد كتبت في ساحة "محاكمة الله ورسله" شريطا للدفاع عن محمد ضد من يعتبره جاهلا او مجنونا وذكرت الكثير حول ذكائه وحنكته وقيادته واصراره وانه صاحب مشروع ثوري كبير .. طبعا لم اصل الى مستوى العمق في التحليل كهذا الطرح الرائع.. ولكن يسرني ان ارى من يرى وجة النظر في ذلك


اشكرك على وقتك وجهدك الكبير  Rose

سجل

وقالوا إنما يعلمه بشر.. وقد صدقوا
ارتباطات:
صفحات: [1] 2 3 4 5 6 ... 11 للأعلى طباعة 
شبكة الملحدين العرب  |  نقد الايمان والاديان  |  الدين الاسلامي  |  موضوع: خلف محمّد (قراءة نفسيّة) « قبل بعد »
وصلة للتقويم وصلة للتقويم
انتقل إلى:  


Arab Atheists Network [email protected]
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها
تأسس الموقع في 26/3/2006
تم إنشاء الصفحة في 0.175 ثانية مستخدما 30 استفسار.