وإذا اقتربنا من جوهر الفلسفة الماركسية، نرى أنَّها خليط من الفلسفة الإغريقية القديمة، والفلسفة الهيغلية الألمانية، وطفولة المادية التاريخية، أما جذورها الأصلية فتعود بالتحديد إلى مادية القرن السابع عشر، فمادية الماركسية في كمال تطورها إلى التاريخ، ترجع إلى المادية الميكانيكية التي تندمج في آخر تحليل مع العلوم الطبيعية، وبالأخص مع مدرسة نيوتن الفيزيائية، ومادية ديكارت، و سبينوزا (الذرة، والحواس، والمغنطيس). وكما هو معلوم، فقد كانت المادية الفرنسية على الأخص، ترتبط برابطة وثيقة مع المادية الإغريقية القديمة، تماماً كما كانَ المنهج الفلسفي الهيغلي، يشتق روحه الدياليكتيكي من الفلسفة الإغريقية القديمة. ولكن الدياليكتيك الهيغلي في علاقته بعصر المادية الميكانيكية، كان ينخرط شيئاً فشيئاً في التناقض مع ميتافيزياء القرن السابع عشر، الأمر الذي كان يقرب دياليكتيك هيغل من المادية الميكانيكية. وفي واقع الأمر، فإنَّ تعارض الفلسفة الماركسية مع الميتافيزياء بالذات، تعبر عن هذا الاندماج التاريخي بين المادية االميكانيكية، ودياليكتيك هيغل، بالإضافة إلى تأمل فيورباخ الدنيوي الذي حل محل التأمل اللاهوتي والفلسفة التأملية، حيث أنَّ فيورباخ بقي أسيراً للتأملات الفلسفية على الدوام، أو بالأصح لم ينقطع قط عن الفلسفة.
الفلسفة الإغريقية: فلسفة المجتمع العبودي، ظهرت الفلسفة عموما عندما انقسم المجتمع إلى أسياد وعبيد في الهند والصين ومصر القديمة وتطورت لدى اليونان والرومان، وتميزت بصراع الاتجاهين المتضادين: مادية ديموقريطس وروحانية أفلاطون، كانت عموماً ساذجة وطرحت مسألة حركة الوجود الدائمة والطبيعة الذرية للمادة (ديموقريطس) والطبيعة الروحانية (المثالية الموضوعية، أي الاعتراف بالوجود مع روحانيته) للوجود وانتساخه عن عالم الأفكار السرمدي (أفلاطون)
انتقد (أرسطو) فلسفة أفلاطون المتعالية على الحس وتأرجح بين المادية والمثالية، فقال بالوجود الواقعي للعالم المادي، لكنه اتهم الوجود بالعطالة التي يحركها الإله، فساهم في تطور الجدل المعرفي وارسى أسس علم المنطق.
انتشرت في مرحلة انحلال المجتمع اليوناني فلسفات الشك والتخير والتصوف، بالمقابل تطورت المادية على يد (أبيقور) اليوناني، و (لوكريتس) الروماني ووضعت مقدمات تطور الفلسفة المادية لكافة الأنماط التالية لها.
الفلسفة الهيغلية: من هيغل جورج (1770 - 1831) فيلسوف موضوعي روحاني ألماني، وضعت فلسفته صياغة شاملة للجدل بقالب روحاني، وكانت من أهم مصادر المادية الجدلية فيما بعد، مؤلفاته: "ظواهر الروح"، "موسوعة العلوم الفلسفية"، "علم المنطق"، "فلسفة الحق"..
أول من اعتمد الرؤية التاريخية في بحثه لمشكلة الأنا، أي ارتباطها بظروفها التاريخية، وعكست فلسفة هيغل التطور المزدوج والمتناقض لألمانيا عشية ثورة الأغنياء والملاكين على النظام الإقطاعي للملكية البروسية التي كان هيغل مفكرها، وتتضح ثنائية هيغل من كل كتاباته، بما فيها كتاب "ظواهر الروح" (1807) وفيه يدرس تطور الوعي الانساني من علاماته الأولى حتى التطور الواعي للعلم ومنهج البحث العلمي، ويتضمن ذلك المجلد تحليلاً لمقولة الاستلاب (الاغتراب) فيها "يمسك هيغل بجوهر العمل" وإن كان ذلك بطريقة مثالية، ويتصور الإنسان و تاريخه "كنتيجة لعمله هو"، كما يتضمن المجلد المبادئ الأساسية لجدل هيغل. وعرضا استدلالياً لوحدة الفكر والوجود. وهي نقطة الانطلاق في مذهب هيغل. والفكرة المطلقة التي تتطور بذاتها باعتبارها أساس وجوهر العالم كله.
وفي كتابه "موسوعة العلوم الفلسفية" (1817) عرض مذهب المثالية المطلقة (الموضوعية) في صورته الواضحة، ويتضمن أن كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية تقوم على أساس المطلق – أي الروح والعقل، أو "الفكرة المطلقة"، أو "عقل العالم"، أو "روح العالم". (1) تطور الفكرة في قاعها هي نفسنا، في "عنصر التفكير الخالص"، أي علم المنطق، (2) تطور الفكرة في صورة "الوجود الآخر"، في صورة الطبيعة، أي فلسفة الطبيعة. (3) تطور الفكرة في الفكر والتاريخ (في "الروح") أي فلسفة الروح.
وقد كان جدل هيغل – الذي عرضه في صورة شاملة في كتابه "علم المنطق" (1812–1816) إسهاما قيما للغاية في الفلسفة. ففي كتاب "علم المنطق" صاغ هيغل قانون التغيرات الكمية التي تؤدي إلى تغيرات كيفية، وكشف حتى الأعماق التناقض باعتبار كونه المبدأ الدافع لكل تطور، وعرف قانون "سلب السلب"، وجدل الشكل والمضمون، الكل والجز، وشرح مقولات الواقع والضرورة والصدفة، ومقولات كثيرة أخرى، ودرس ونقد ثنائية "الأشياء في ذاتها" عند كانط، الخ. ومع ذلك فإن جدل هيغل يتعارض بشكل واضح مع فلسفته المثالية. وقد دفعته مثالية فلسفته وحدوده البورجوازية لأن يخون أفكاره الجدلية نفسها (مدعيا أن تطور العالم والمعرفة قد قطع مساره حتى الكمال، فأدخل بذلك التصوف في الجدل، مطبقا مبدأ التطور فقط على الظواهر التي تقع في مجال الفكرة ؟، وجاعلا من مقولات المنطق مقولات مقولبة ومصطنعة). وقد كان هيغل عاجزا وعازفا عن استخراج أية نتائج اجتماعية متماسكة من الجدل؛ وقصر نفسه على الأمر الواقع، ذاهبا إلى حد إعلان أن الملكية البروسية هي قمة التطور الاجتماعي، مغتفرا التعصب الوطني الخ.
وقد كان لفلسفة هيغل أثرها على تطور الماركسية. التي أنقذت أهم عناصر الفلسفة الهيغلية – وهي الجدل – وحولته إلى نظرية – تقوم على الاستدلال العلمي – في تطور الطبيعة والمجتع والفكر.
مادية القرن السابع عشر: انظر "ديكارت" و "سبينوزا" أدناه.
المادية الميكانيكية: نزعة ترد الاأشكال المعقدة من الحركة إلى أبسط الأشكال والقوانين الممكنة، مثل رد تطور المجتمع إلى قوانين بيولوجية، ورد العمليات البيولوجية إلى عمليات فيزيائية وكيميائية، ورد التفكير البشري إلى عمليات آلية.
لعبت هذه النزعة في القرون 17-19 دوراً تقدمياً ضد المثالية الدينية في خلود النفس والأصل الإلهي لحركة المادة، وسعى الفلاسفة وعلماء الطبيعة الماديون آنذاك لفهم الطبيعة بالطبيعة ذاتها، وذلك على أساس لوحة العالم الميكانيكية التي سادت العلم آنذاك.
أدى تطور العلم إلى اضمحلال هذه النزعة، لكنها لا تزال منتشرة اليوم لدى من لا ينظر إلى الظواهر من كافة جوانبها، ويراعي كافة قوانينها.
ديكارت: رينيه (1569 - 1650) فيلسوف ورياضي وباحث طبيعة فرنسي، من أنصار الثنوية في الفلسفة (نظرية الحقيقة المزدوجة: بينية، أي استقلال الفلسفة عن الدين، والفصل بين العلم والدين مع التوفيق بينهما)، مؤلفاته الأساسية: مقال في المنهج، مبادئ الفلسفة.
وترتبط فلسفة ديكارت بنظريته في الرياضيات، وعلم نشأة الكون، والفيزياء. واحد من مؤسسي الهندسة التحليلية. وفي الميكانيكا نوه بنسبية الحركة والسكون، وصاغ القانون العام للفعل والفعل المضاد، والقانون القائل بأن كم حركة جسمين غير مرنين هو نفسه خلال التصادم كما كان قبله. وهو في علم نشأة الكون وضع مصادرة هي الفكرة الجديدة عن التطور الطبيعي للنظام الشمسي. وقد اعتقد أن دورات الجسيمات هي الشكل الرئيسي لحركة المادة الكونية، وأنها تحدد بناء العالم وأصل الاجرام السماوية. وقد أعطت فرضيته دفعة لتقدم الجدل، برغم أن النمو عنده كان لا يزال مفهوما آليا.
حدد ديكارت، على غرار فرانسيس بيكون الغاية القصوى للمعرفة بأنها تحكم الانسان في قوى الطبيعة، واكتشاف واختراع الأجهزة الفنية، وادراك العلل والمعلولات وتحسين ماهية الانسان. والانسان « كي يحقق هذه الغاية عليه أن يرفض الإيمان بأي شيء؛ إلا أن تثبت البرهنة عليه بشكل كامل ». ولا يتضمن عدم الإيمان هذا أن الوجود كله لا يمكن معرفته، بل هو منهج لاكتشاف البداية الأصلية غير المشروطة في المعرفة التي حددها ديكارت بأنها « أنا أفكر إذن أنا موجود ». وقد استخدم ديكارت هذه الصيغة لاستنباط وجود الله ثم استنباط واقعية العالم الخارجي.
سبينوزا: باروخ (1632 - 1677) هولندي، فيلسوف مادي وملحد، مؤلفه الأساسي: الأطيقا (علم الأخلاق)، مؤسس المنهج الهندسي في الفلسفة، اعتبر سبينوزا، شأنه في هذا شأن فرنسيس بيكون وديكارت، علم الطبيعة وتحسين أحوال الإنسان الغرض الرئيسي للمعرفة. فأضاف إلى مذاهب أسلافه تعاليم خاصة بالحرية: فأظهر كيف تكون الحرية الإنسانية ممكنة في نطاق قيود الضرورة. وتعاليم سبينوزا فيما يتعلق بصفات الجوهر مادية على وجه العموم، غير أنها ميتافيزيقية نظراً لأنه لا يعد الحركة صفة من صفات الجوهر، دحض سبينوزا الفكرة المثالية عن حرية الإرادة، وعرّف الإرادة بأنها تقوم دائما على الدوافع. وقال في الوقت نفسه بأن الحرية ممكنة كسلوك قائم على معرفة الضرورة، وواصل سبينوزا في نظريته عن المعرفة تزمته العقلي. وقد رفع من مقام المعرفة العقلية المؤسسة على العقل، فوق النظام الأدنى للمعرفة المستمدة من الحواس، وقلل من الدور الذي تلعبه التجربة.
المادية الفرنسية: أحد أشكال المادية ماقبل المادية العلمية (الماركسية)، مادية ميتافيزيقية استندت إلى الفهم الميكانيكي للطبيعة، مأثرتها التأكيد على فاعلية المادة، واعتبار الحركة قرينتها. شكلت فكر المالكين والأغنياء الجدد التقدمي (في زمنه) ضد الإقطاع. أقطابها: لامتري، هولباخ، ديدرو، هلفيتيوس.. الذين شنوا هجوماً عنيفاً ضد الاستبداد والإقطاع والدين والمثالية (الروحانية الفكرية).
تبنى الماديون الفرنسيون المذهب الحسي المادي، أي استخلاص المعارف كلها من الأحاسيس، ورأوا في التأمل الحسي معيار الحقيقة، وآمنوا بلامحدودية العقل. وارتبطت المادية الفرنسية بالإلحاد، وعادت الدين، ونسبت الوعي البشري إلى محيطه الاجتماعي، وتخلقت بالإصلاح الذي رأت أنه ضروري لتحسين الأخلاق التي تنطلق من المصلحة الاجتماعية المشتركة، واعتبرت الأخلاق الدينية رياءً ونفاقاً.
مارست المادية الفرنسية تأثيراً كبيراً على مسيرة الفكر الفلسفي اللاحقة.
الميتافيزياء: ما بعد العلم الطبيعي، مبحث فلسفي يعمل بأكثر مشكلات الوجود والمعرفة إيغالاً في التجريد، ظهر في عهد "أرسطو" كتسمية للتفكير غير العياني المرتبط بالطبيعة، أي العقلي البحت. تحولت الميتافيزياء في العصر الوسيط إلى "السكولائية"، أي الحس المتعالي على التجربة، وبتطور العلوم الطبيعية والتفات الفلسفة أكثر فأكثر إلى دراسة الموضوعات الواقعية وازدياد اعتمادها على المعرفة التجريبية، صار نعت "ميتافيزيقي" يطلق على كافة المحاكمات المجردة المعزولة عن العلم، إلى أن انفصل مفهوم "المتافيزياء" تماماً عن المعارف التجربيبة وصار يعني المبحث الخاص بالمبادئ "المتعالية"
على الحس والتجربة على العالم المرئي، وهي اليوم تعنى بالتعمق في جوهر الظواهر والعمليات التي لا تخضع للمعرفة الحسية ولرصد قوانينها، ولذلك فإنها تقف موقفاً معادياً للتفكير المادي والعلمي.
الميتافيزياء نظرة سطحية ومحدودة إلى العالم، فهي إما أن تنفي التغير والتطور، أو ترده إلى مجرد تحول كمي، دون الاهتمام بالجانب الكيفي لتطور الأشياء. وهي لا ترى المصدر الداخلي لتطور الظواهر، ولا تناقضها الداخلي (تتطور الظواهر حسب المادية بسبب التناقضات)، ولذلك فإن التفكير الميتافيزيقي بالنظر لرؤيته الرافضة لدوافع التطور يقف عائقاً في طريق الفكر العلمي.
يستخدم المنهج الميتافيزيقي في تفكير كافة المؤمنين كونهم انتقائيون في العلم، وكثير من المتفلسفين الذين يرفضون المنهج العلمي، مثل "حسن عجمي" في موضوع "الضيمياء" و "علاء الحلبي" في موضوع "العقل الكوني" ومعظم موضوعات الزميل ممبوزيا في هذا المنتدى.
الفلسفة التأملية: يبدو أنه مفهوم نحته الكاتب بنفسه، ولعله عنى به التفكير الذي يتلو الملاحظة والتجربة، وهو التفكير العلمي، أو عنى به التفكير المعزول عن الملاحظة والتجربة، وهو التفكير الميتافيزيقي، وهذا الأخير هو ما نعتقد أنه يقصده.
ملاحظة: المصطلحات والتعريفات والمعلومات والأسماء مأخوذة من مصادر مختلفة عن الأنترنت أو من كتب ذات صلة، لكنها جميعاً تنطلق من أرضية الفلسفة المادية، مع بعض إضافاتي الشخصية.
------------------------------------------------------
إذا راجعنا الفلسفات والمصطلحات التي وردت بقلم الكاتب للاحظنا إذا ما نظرنا نظرة شمولية أنه يتهم الماركسية بالأخذ عن الفلسفات القديمة، أو أنها في أحسن الأحوال خلطة فلسفية مأخوذة من هنا وهناك، وهذا الأمر وإن كان صحيح شكلاً، لكنه خاطئ مضموناً.
يعاني الكاتب من العقلية الميتافيزيقية التي تنظر إلى الظاهرة نظرة سطحية ومحدودة إلى العالم، فهي إما أن تنفي التغير والتطور، أو ترده إلى مجرد تحول كمي، دون الاهتمام بالجانب الكيفي لتطور الأشياء. وهي لا ترى المصدر الداخلي لتطور الظواهر، ولا تناقضها الداخلي (تتطور الظواهر حسب المادية بسبب التناقضات)، أي أنه لم ير أن الماركسية كنظرية مادية قد تطورت عبر الزمان من فلسفات سابقة لها، بل هي مجرد فتات فلسفي لملم نفسه من هنا وهناك، وبيد "ماركس" طبعاً في النهاية.
على أن الكاتب لو كلف نفسه جهداً قليلاً لما فاته أن الماركسية قد تبلورت كحصيلة لتطور الفكرين الفلسفي والعلمي في النظر إلى الظواهر، وقد ساهم في تطورها الفلاسفة الذين ذكرهم الكاتب بشكل يناسب مستوى تطور المجتمع كل حسب زمنه، فتاريخ المادية العلمية (الماركسية) هو تاريخ صراعها مع نقائضها التي تلونت بأشكال مختلفة، وقد اتخذ تطور المادية عبر التاريخ اشكالاً مختلفة، لكن جوهره كان التأكيد على أولوية المادة على كامل ظواهر الوجود العقلية خاصة، وكون تلك الفلسفة القديمة أو السابقة لم تنضج بما يكفي كما هي المادية اليوم فهو ليس سبة ضد الماركسية، بل هي سبة ضد الكاتب لأن التطور ظاهرة طبيعية تخضع لها كافة ظواهر الوجود، بما فيها الفكرية، في ارتقائها من الأدنى إلى الأعلى، أو من الحسي إلى المجرد.
مثلاً.. تطور المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع رأسمالي
بالترابط مع تطور أدوات الإنتاج (مادية تاريخية)، وتطورت فكرة الإله من ظاهرة حسية إلى تجريدية عند انتقاله من شكل الصنم العيني إلى الصنم المجرد
بالترابط مع تطور الفكر البشري (مادية جدلية)، وتطور الاقتصاد الاجتماعي من اقتصاد إقطاعي عيني إلى اقتصاد رأسمالي بضاعي
بالترابط مع تراكم الانتاج ورأس المال (اقتصاد سياسي)... وواكب هذا مثله مثل تطور الخرافة والعلم والتخلف والفلسفة والفن والأدب تطور المجتمع ككل، وهو ما لم يره الكاتب، وهذه سقطة خطيرة لمدعي علم بالماركسية، ذلك أن ألف باء الماركسية يبدأ من فكرة التغير والتطور، وقد اختلفت الماركسية عن غيرها انطلاقاً من هذه الرؤية التي تنظر إلى الظواهر في إطار علاقاتها بالوسط الذي تتحرك فيه وتفاعلها معه وتأثيرها فيه، وقد طبقت هذا المادية التاريخية مثلاً على المجتمع في تطوره من أدنى إلى أعلى، كما طبقته المادية الجدلية مثلاً على الفكر في ارتقائه عبر التاريخ، فكيف ينظر الكاتب إلى تطور الماركسية على أنه تجميع لفلسفات مادية مختلفة، وليس تطوراً ونضجاً للفلسفة المادية عبر التاريخ؟، وكيف يفصل المادية التاريخية عن الماركسية وهما واحد؟..
الجواب هو أن النظرة الميتافيزيقة التي يعاني منها الكاتب في نظرته إلى الماركسية كظاهرة اجتماعية عطلت لديه سمة القدرة على
الربط والتطبيق، فهو لم يعرف عن الماركسية غير تاريخها الكمي، لكنه لم يعرفها هي نفسها، ولو أنه عرفها لقام بتطبيق نوعي لقوانينها عليها ولاكتشف بأنها حصيلة موضوعية لتطور الفلسفة المادية، وبهذا وقع أسير النظرة الميكانيكية، النزعة التي ترد الاأشكال المعقدة من الحركة إلى أبسط الأشكال والقوانين الممكنة.. هذه السبة التي يتهم بها الماركسية. كخلطة فلسفية مبهرجة، ويعاني منها هو نفسه.
الخلاصة أن الفلسفة المادية التي تشكل أساس الماركسية قد تطورت عبر التاريخ في صراعها مع الفلسفات الروحانية والغيبية، وقد عانت وقتها نتيجة نقص مستوى التطور العام من عيوب كانت تتناقص باستمرار وتطور ذاتها بما يطابق الاكتشافات العلمية إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي.. مثلها مثل كافة الظواهر البشرية، فقد تطور العلم بنفس الطريقة وهكذا دواليك.
ويبدو أن للكاتب عقلية خلقوية هي في نظرته التي ترى أن الفلسفة يجب أن تولد كاملة، لا أن تتطور عبر التاريخ وتنضج كغيرها من الظواهر، وهذا يؤدي بالمحصلة إلى أنه لا يرى تطور الجوانب الأخرى للمجتمعات البشرية، وبالأخص تطور المجتمعات التاريخي المقنون بالمادية التاريخية، لأن ميكانيكيته تتناقض مع حركية المادية.
كما يتضح أن الكاتب يستعرض عضلاته في المصطلحات، دون التعمق فيها.
ومن هنا لا يحق للكاتب أن يتفلسف بشأن تناقض الماركسية مع المادية التاريخية لأنه يجهلهما، ولا يعرف منهما غير الشكل التاريخي المبسط لتطورهما، مثله مثل أي من يدرس ظاهرة بفكر معزول عن قوانين التطور الجدلية.