تحياتي للجميع....

لعل أكبر تجل لتأثيرات فلسفة ما بعد الحداثة هو الرجوع القوي للنزعات الدينية في الاطار العام و ذلك بمختلف صيغ هاته الاخيرة...سواؤ نحو الديانات التقليدية او الديانات الروحانية الشرقية او الايديولوجية الانسانوية...و هو في رأيي نتيجة طبيعية نظرا للحمولة الشديدة الصعوبة و الكآبة التي تكون جوهر فلسفة ما بعد الحداثة.
لكن هاته الصعوبة اذا اتت فهي اتت من شجاعة عقول لا تخشى أن تمضي في الافكار الى مداها و في نقد النقد و نقد العقل مهما كلف ذلك من مآسي وجدانية و انهيار لبنايات معرفية تشكلت على مدار قرون طويلة.الصعوبة تأتي من ان هذا المنحى النقدي بعد ان تخلص من الدين كمنظومة معرفية و اخلاقية وجه سهامه التي لا ترحم نحو المنظومة العلمية و الفلسفية التقليدية التي كانت ترى في الانسان هدفا في حد ذاته و في ان العلم و التقدم يمكن ان يقدم اجابات للأسئلة العالقة.الانسان انهار هنا و تعرت صورته الميتولوجية ليصبح شيئا تافها في مقاييس الكون و حتى في مقاييسه الانفرادية ككائن مفكر...تطور علم النفس التحليلي قاد الى ذوبان أفكار كانت الى الآن تشكل أساسا بديلا عن الدين...كالحرية في الاختيار و الاستقلالية المطلقة للفرد المفكر و المبادئ القيمية الاخلاقية...كل هذا اختفى اما الضربات المتتالية للتحليل المتواصل ليبدو في وسطها الانسان عاريا من كل الاوهام التي يبنيها حول نفسه و يبحث عن قيمته فيها و من خلالها. و هاته الصورة ليست جميلة بالمرة اذا ما قارناها بالرسم الجميل للانسان في الاديان أو في الفكر الانسانوي العاطفي....و من هنا صعوبتها و صعوبة بلعها على المدى الطويل بالنسبة للافراد الساعين لاثباث ذواتهم و معنى لوجودهم.
و المثاليات الكثيرة التي بنيت بعد الثورة الفرنسية و الثورة الصناعية وصلت لحافة هاوية اذا لم نقل انها في الهاوية فعلا خصوصا بعد الازمة المالية الاخيرة التي كشفت اختلالات و اوهام النظام الاقتصادي السائد الذي ادعى استطاعته منح السعادة للكل فلم يمنح الا البؤس و الشقاء.هذا النظام المتقاطع كليا على الاقل مع نظام سياسي تفترض فيه الديمقراطية....فشل كليهما بعد ان ظهر للعيان ان هاته الديمقراطية انتقائية لدرجة مقيتة و تبني سعادة البعض على حساب الملايير من الفقراء و تدمر الكوكب في طريقها....هاته الديمقراطية التي لا تغير الشيء الكثير لانها و غالبا تدور في فلك متحكم فيه كليا من طرف ربابنة العالم على الرغم من وهم الاقتراع الذي يرضي نرجسية الشعوب. دين الاستهلاك الذي تم فيه اغراق الكل..شعوبا متقدمة و شعوبا متخلفة مقتدية بمن هم اعلى منها في سلم الغنى...و الذي يحول الانسان الى آلة مبرمجة لا حرية لها...عمل...اكل..نوم..جنس...ترفيه...استهلاك...ترفيه..استهلاك...حيث يصبح الفرد عبدا للآلة التجارية و الاعلامية و الاقتصادية و لا يجد أبعادا اخرى لذاته غير الغرق في الشراء و الاقتناء المادي و عبادة الموضة و الافكار السائدة حول هذا المفهوم او ذاك.اعمل لكي تشتري...و اشتري لكي تحس بذاتك وسط الجمع...و اعمل مرة اخرى لكي تشتري مرة اخرى الجديد الذي يفرض من فوق و الذي لا نختاره أبدا الا بوهم الرغبة في الشراء من عدمها.الاستلاب في العمل الذي يدفع الاغلبية الساحقة الى تقضية معظم سنين حياتهم النشيطة في قضاء فعل لا يحبونه لكنهم يجب ان يفعلوه...في غالب الاحوال ليس للعيش كوجود بيولوجي..و انما فقط للوجود الاجتماعي و العار المصاحب لكلمة عاطل....
كل هذا و أكثر يقود للازمة....الى ضيق وجودي و كابة دائمة حول مفهوم الحياة و الوجود و معناهم و غاياتهم....و هاته الاشياء ليست متوفرة دوما و لا سهلة الايجاد فكريا....فتبقى الاجابات السهلة المريحة...في الاديان و أديان النيو آج و الايديولوجيات الاخرى....لان الصبر على فكر بهاته القساوة و الصعوبة ليس سهلا على كل الناس و لا ملائما لما يريدون حتى لو كان وهما....و هاته الرغبة في معانقة الوهم عبر عنها بجمالية في فيلم الماتريكس الاول عندما أراد أحدهم-لا اذكر الاسم- العودة الى الماتريكس لان الحقيقة مرة جدا و صعب تحملها.
و بالتأكيد النقد الذي اوردته اعلاه هو نقد للمجتمع الغربي كما عايشته و قٍرأت حوله من كتاب يكتبون في نفس المنحى....و متعبون من الكم الهائل من الخرافات و العبوديات المتعددة التي تكبل المجتمع الغربي باكمله....و هو في حد ذاته دعوة للمجتمعات المسماة متخلفة لكي ترى ايضا بعين النقد المثال الذي تسعى نحوه و تعتبره اكمل نموذج لما يمكن أن يكون...لكي لا يقعوا في نفس المازق مستقبلا هذا اذا كان هناك مستقبل و لم تتحقق نبوءة فوكوياما بنهاية التاريخ.
بخصوص البدائل و على حد معرفتي لا يوجد نموذج متكامل قوي فكريا لكي يحتل الواجهة....لكن التيارات الفوضوية و اليسارية عموما بدات في العودة بقوة لمواجهة مد العودة الدينية و لتعويض نظام يثبث فشله يوما بعد بوم.و كمثال على هاته البدائل أثارني مؤخرا فكر الفيلسوف الامريكي جورج زيرزان...الذي يدعو الى العودة الى العصر البدائي و التخلص من كل أثار التصنيع و التكنولوجيا و التمدن...و فلسفته تدخل في اطار الفوضوية البدائية...و نقده جرئ جدا للمجتمع الغربي في صيغته الامريكية خصوصا و لما يفعله من الغاء شبه كامل لكينونة الانسان و تميزه ككائن حيواني مفكر و ناطق و قادر على اشياء كثيرة.
فلسفة ما بعد الحداثة قادتنا هنا الى الدعوة للعودة الى البدائية....فالى أي منحى سيقودنا الآخرون؟؟؟سؤال يبقى معلقا الى حين.
كل الود,
